أ.د/محمد أديب الصالح
رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام
إنه لأمر أثير لديّ، أن يكون حديثي اليوم حديثًا عن واحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ذلكم هو الصحابي الجليل أبو الدرداء (رضي الله عنه) قاضي دمشق، الذي كان -إلى علمه وفضله وأخذه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام- ذا قدم راسخة في التفكر والتدبر، والنظر إلى أفعال الله جل جلاله، بعين العبد الخاشع الذي يرى في كل فعل منها عين الحكمة الإلهية والعدالة الربانية.
وأبو الدرداء مشهور بكنيته، مختلف في اسمه: فقيل: عويمر بن زيد بن قيس، وقيل: عويمر بن عامر، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن ثعلبة ابن عبد الله الأنصاري الخزرجي، حكيم هذه الأمة وسيد القراء بدمشق وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث.
أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا وأبلى فيها (1) وعن شريح بن عبيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه يوم أحد:"نعم الفارس، وقال: هو حكيم أمين"
ولقد اشتهر -رضوان الله عليه- بالعزوف عن الدنيا، حتى ترك التجارة والربح الدنيوي، إلى العبادة والتفرغ للتجارة التي تنجي من العذاب الأليم، انقطاعًا للعلم والعمل وتفرغًا للعبادة. دعاه إلى ذلك خوف أن يأتي يوم الحساب، وقد أثقلت كاهله بأسباب المسؤولية والحساب، وهو يريد أن يلقى الله متخففًا من كل أثقال الدنيا وأعبائها، لعله يفوز برحمته سبحانه في يوم يشتد هوله، حتى تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
وفي شأن التفكر في آلاء الله تعالى وتدبر حكمه في ملكه وملكوته، قال رضي الله عنه:"تفكر ساعة خير من قيام ليلة".
وقد سئلت زوجه: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء.
فقالت:"التفكر".
وهذا منه رضي الله عنه دليل فقهه لكتاب الله، ووقوفه عند مدلول آياته البينات، ففي العديد من الآيات نجد الدعوة إلى التفكر، وثناء الله جلت حكمته على أولئك الذين سعدوا بالتفكر الصحيح، فكان سبيلهم إلى رفيع المراتب، وعظيم المثوبة عنده سبحانه، وذلك في مثل قوله عز وجل:"قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (1) ""إن في ذلك لآيات لقومٍ يتفكرون (2) ""إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب"."الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار. ربنا إننا سمعنا مناديًاَ ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (3) ".
وانظر إلى هذا الدعاء الذي يخترق الحجب"ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار"ولقد كانت الاستجابة، وكان الفضل العظيم والخير العميم، ذلك ما يحسه قلب المؤمن في ندى قوله -وهو الرحمن الرحيم"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثواب (4) ".
وكأني بالآيات الكريمة توحي أن مقام التفكر ليس بالأمر السهل، فقد اقترن -كما نرى- بعزائم الرجال، وصبر المؤمنين المجاهدين الصابرين. وسبحان الذي من بعض فضله، ما يكون من العطاء والنماء.
وفي شأن الخوف من يوم الحساب، وإيثار الآجلة الباقية على العاجلة الفانية، والورع من أن تثقله المسؤولية في ذلك اليوم، قال رضي الله عنه:"بعث النبي صلى الله عليه وسلم وأنا تاجر، فأردت أن تجتمع لي العبادة والتجارة، فلم يجتمعا، فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة. والذي نفس أبي الدرداء بيده ما أحب أن لي اليوم حانوتًا على باب المسجد لا تخطئني فيه صلاة، أربح منه كل يوم أربعين دينارًا، وأتصدق بها كلها في سبيل الله. قيل له: يا أبا الدرداء، وما تكره من ذلك؟ قال: شدة الحساب".
وفي إزاحة الستار عن شعور صادق بهذه الحقيقة وتذوق لآثار الأخذ بها نرى كلماته تحمل -مع صادق النصح للآخرين- صورة الوعيد المرعب لأولئك الذين لا هم لهم إلا جمع الدنيا من هنا وهناك، ناسين ما يثقل الكواهل من المسؤولية عما يجمعون قال في ذلك رضي الله عنه:"ويل لكل جماع فاغر فاه، كأنه مجنون، يرى ما عند الناس، ولا يرى ما عنده، ولو يستطيع لوصل الليل بالنهار، ويله من حساب غليظٍ شديد".
وإذا كانت الخشية على قدر المعرفة، فجدير بأبي الدرداء رضي الله عنه أن يكون على هذا القدر من خشية الله، وأن يكون في حسبانه دائمًا شدة الحساب.. وكان دليل الصدق في ذلك صون نفسه عما يخلف ذلك.