( لن نؤمن لكم قد نبَّأنا الله من أخباركم ) ! ولكن ! (2)
بقلم د. سعد بن مطر العتيبي
"... في الحلقة السابقة كان الحديث عن السوفييت العرب وفلولهم ، وتحولها إلى موضة الانتساب إلى اللبرالية ، لا إلى اللبرالية ؛ وليتهم ليبراليون حقا ، لهان الأمر !..."
بداية أنبِّه: ليست هذه الحلقات سوى عرض مختصر ، أبيِّن فيه للأمَّة بعض سبيل القوم للتفطن والحذر واستلهام العبر ؛ فليس هو حوارا مفتوحًا مع أحد ، لأسباب سأشير إليها - إن شاء الله تعالى - اللهم إلا لمن شاء ممن قد يفتح الله على قلبه .. فيعود إلى أمته قلبًا كما هو قالبًا .
في الحلقة السابقة كان الحديث عن السوفييت العرب وفلولهم ، وتحولها إلى موضة الانتساب إلى اللبرالية ، لا إلى اللبرالية ؛ وليتهم ليبراليون حقا ، لهان الأمر .
نعم منهم قلة ربما يعدّون على الأصابع تجد لديهم ما يشعرك أنهم أصحاب مبدأ مهما كان خاطئًا .. ولكن غالبية من نرى مخرجاتهم - منهم - ليسوا كذلك ، فما هم إلا متمسحون باللبرالية ! ولذلك لن ينتهي عجبك منهم فهم يريدون أن يفسروا اللبرالية ، وكأنهم أهل المصطلح يفسرونه كما يشاءون !.
ولك أن تزداد عجبا ممزوجا بحيرة ، حين تسمع أو تقرأ - لبعض من خدع بقولهم - عبارة: ( اللبرالية الإسلامية ) إنها تذكرني بطرح سابق عليه مسحة القوم ، لقد كانوا يحاولون إقناع الأمة - في الزمن الذي خسروه من قبل - باشتراكية أبي ذر رضي الله عنه ! (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) .
ولن تلام حين تقهقه بسخرية خاطفة مختومة بابتسامة صفراء ، عندما يردد المتبوع منهم قول التابع عند التحاور معه ، ويحاول إثبات انتمائه فكريا لأمتنا بهذه الجملة ! .. ينتسبون لمصطلحات لها خلفيتها الفكرية ، ومنبعها الأجنبي ، ومشاكلها التي أفرزتها حلا عند من يؤمن بها ، ثم يجادلك بعضهم بقوله: إنها ليست سوى آلية !.
لا أدري أهم جادون ! أم هم هازلون مخادعون يحاولون العبور بمثل هذه المغالطات ! تعلمنا أنَّ صاحب المبدأ يهون عليه قبول الحق إذا ما ظهر له .. بخلاف صاحب المصلحة الشخصية فهو صاحب مقعد سياحي دائم على متن البراجماتية ! يبتغي المصلحة مظانَّها ! ولا عجب أن يطَّرِح كل شعاراته في لحظة ! .
ولله ثم للتاريخ أقول: هؤلاء القوم الذين أتحدث عنهم ، منهم من عاد إلى أمته ، وهم كثر بحمد الله ، حتى من المفكرين والكتاب ، وإن بقي لدى كثير منهم لوثات من الماضي الخاسر ، لكنهم حقًا قد انضموا إلى الأمة ، ومنهم من سخّر جهده في الذبّ عنها وعن ثوابتها بعد أن كان على النقيض من ذلك .
بل قد رأيت منهم من لن أنسى دمعاته وهو يحدثني بفرحةٍ اغرورقت منها عيناه ، مع أنَّه قد قارب السبعين من عمره .. لم أعلم أنه كان ناصريًا صليبة ! حتى أثار هو ذلك .. نعم قارب السبعين ، رأيته في حديقة عامة في بلد غربي ، في إجازة الأسبوع .. فاصل: ( للأسف: سمعت برنامجا حواريا في إحدى إذاعاتنا يردِّد فيه المذيع سؤاله للمتصلين: ما ذا تصنع في الويكند ؟ ويردّ كثير منهم: والله أنا في الخميس والجمعة أعمل كذا .. ، فيحاول هذا المنهزم أن يستنطق المواطن العربي الصليبة المسلم بلفظة:( ويكند ) ! .. أين وزارة الإعلام ! أليس لدينا إذاعة ناطقة بالإنجليزية تقدم دروسا في العربية ! .. ).
أعود بعد هذا الفاصل الاستطرادي الذي لم أطق تجاوزه نصحًا للأمة .. لأصف لكم هذا الرجل الذي قارب السبعين: رجل قد اشتعل رأسه شيبا ، مفتول الشاربين ، حليق اللحية .. أحببته ! وإن ظهرت عليه المخالفة - عفى الله عنا وعنه - أحبته لأنه مسلم يتحسّر على ماضيه المظلم ، وهو بمظهره - المخالف -لم يخرج من الإسلام ، بل كان قبلُ لا يعرف الله - على حد قوله - ولا يطيق سماع كلمة ( دين ) ، وإن كانت نشأته في بلد عربي .
كنا نتحدث عن انتشار الإسلام في الأرض ، وانتشاره في ديار الغرب .
قاطع حواري مع بعض الأحبة في جلسة جانبية ، ليلتقط كلمة من حديثنا ، ويشير إلى شابين يقومان بتهيئة الشواء وما إليه تحت أشجار هذه الحديقة العريقة ، دون أي إثارات إعلامية مناهضة ! أشار إلى هذين الشابين الملتحيين بين جمع من الشباب الملتحي وغيره يؤدون نفس المهمة على توزيعٍ للمهام بينهم ! وبعد أن تمكنتُ من تحديد الشابين بناظري ، وتأكدت من ذلك بوصفه وإشارته ، صمتَ برهة ، ونظرت إليه وإذا عيناه تفيض دمعا ! فأرخيت رأسي .. ثم رفعته على صوته المتهدج ، يَقسِم الحرف في النطق من شدّة العَبرة ! جمعتُ له عبارتَه بقولي له مستفهمًا: هو الذي علَّمك الصلاة ؟! قال: نعم ! نعم ! وعلمني الوضوء أيضًا ! إنَّه ابني الذي ولد في هذا البلد الأجنبي ، وترعرع فيه ! وقد تسبب أيضًا في صلاح أخيه !.
حمدت الله كثيرا ، وامتدّ المجلس فأخذ يسرد لنا حكاياته مع الحزب الناصري ، وما لاقاه في سبيله من العناء .. وأنه كان وفيًا له ، حتى علم أنه كان في أمر مريج !.