رئيسي:المنهج:الأحد 29 جمادى الآخرة 1425هـ - 15 أغسطس 2004
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، أما بعد:
فإن معرفة الثغرات التي ينفذ منها الشيطان، للتحريش وإفساد ذات البين، في صفوف العلماء والدعاة الذين يحملون جميعًا همّ الدعوة إلى الله سبحانه، ويسعون لتحقيق غاية واحدة، وهي التمكين لدين الله، مع وجود اختلاف في الأساليب والوسائل، أو تحديد الأولويات في الدعوة، دون أن يكون بينهم تباين في معتقد، أو تفريط في شيء من الثوابت، إن معرفة هذه الثغرات وتحديدها وحصرها؛ ييسر لمن يريد السعي إلى رأب الصدع القائم بين الدعاة على مستوى الأفراد، أو الجماعات، ويضع لها العلاج المناسب إذا ما صدقت النوايا، ووجدت الرغبة الصادقة في ردم الهوة، وإزالة الجفوة القائمة.
والمتتبع لأسباب الافتراق القائم يجد أنه من السهل معالجته؛ إذا خلت النفوس من الأهواء، وأدركت الخطر المحدق بالإسلام وأهله، وأن الكل مستهدف من قبل الأعداء، وأن الشقاق القائم بين الدعاة لا يثمر سوى توسيع دائرة الخلاف، واستنزاف القوى والجهود والأوقات، ، ويحمل عامة المسلمين على الشك في صدق الدعاة، وينفث في صدروهم الحيرة، فلا يدرون مع من الحق، وفي الجو مرتع خصب لغلبة الأهواء، وشيوع البدع.
والدعاة هم أولى الناس بمعرفة حرص الإسلام على جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وإزالة كل أسباب الفرقة، وبحسن الظن بالمسلم، وصفاء النفوس، وسلامة الصدر، ومعرفة الطبيعة البشرية في الاختلاف لأسباب كثيرة، يُعذر معها المخالف، طالما والخلاف لا يخرج عن دائرة الاجتهاد فيما لا نص فيه.
والعوامل التي يمكن الحديث عنها، منها ما هي عوامل مباشرة تؤدّي بنفسها إلى الافتراق، ومنها ما هي عوامل غير مباشرة، لكنها تورث هذه النتيجة؛ نظرًا لكونها بعيدة عن هدي الشرع. وكل أمر قام على غير الهداية الربانية فهو قائم على هوى، لا يورث إلا شرًا أو فسادًا.
أولا:عوامل الفُرقة ذات التأثير المباشر:
1-الإعجاب بالرأي: فإنه يحمل على الغرور، واحتقار رأي المخالف، وقد يحمل على رفض الحق إذا جاء على لسان المخالف، وقد ينتقل بصاحبه إلى التشنيع على من لا يوافقه، ولذلك جاء التحذير منه، فعن أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا: [ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ] رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة.
والمعجب بنفسه وبرأيه لا يرى إلا نفسه، ولا يتهمها بعيب ولا بنقص، بل قد يصرّ على رأيه ولو تبين له وجه الخطأ، وقد يوالي ويعادي على أساس موافقته ومخالفته.
2-الحسد والبغي والغيرة: فقد يرى بعض المنتسبين إلى العلم ما عند غيره من أهل العلم، أو المشتغلين بالدعوة إلى الله من إقبال الناس عليه، وحضور مجالسه، والتعلق به، والتلقي عنه، والتأثر به، وفي المقابل يرى عزوف الناس عنه، وقلة حظه ومكانته عندهم، فيحمله ذلك على الحسد والغيرة بل على البغي، فلا يتورّع في اللمز والطعن ولو من طرف خفي، ويسعى في التشكيك فيه، وفي جهوده ودعوته وعلمه، وقد يحمله ذلك على القطيعة وكل هذا من البغي.
3-التعصب لرأي، أو عالم، أو جماعة، أو مذهب، أو غير ذلك: فقد يصل التعصب بالمرء إلى حد العَمَى عن إدراك الحق، حتى يغلب عليه التعامل بالظلم، وفقدان العدل والإنصاف، أو-على الأقل- حسن الظن. والمتعصب ينسى أن كل إنسان يؤخذ من قوله ويُرد، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وأن أحدًا من أئمة الهدى لم يدَّعِ لنفسه العصمة من الزلل، وأقوالهم في ذلك مشهورة، ومن لازم الصدق والمحبة: أن يقف عند حدود العدل والحق، وأن يقول للصواب: هذا صواب، وللخطأ: هذه خطأ، وأن لا يقر باطلًا، ولا ينتصر له، ولا يدعو إليه، فقد عمل الإسلام على تغيير المفاهيم الخاطئة، التي سادت في الجاهلية ،ومنها علي سبيل المثال النصرة على سبيل العصبية، لا على سبيل الحق ،حيث غيّر ذلك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: [انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا] فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: [تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ] رواه البخاري.
والمخالفة في قول أو فعل لا تعني الانتقاص، ولا الاحتقار، لمن خالفته إذا كان الصواب لم يحالفه؛ إذ الحق أحق أن يتبع، وقد كان بعض علماء السلف إذا خالف شيخه في شيء يقول: ومع حبّي لشيخي فإني لا أوافقه في هذا الأمر، فإن الحق أحب إلي، أو نحوها.