أغلق الشيخ الباب فتنفس أهل الدار الصعداء. وأفاقوا إفاقة من يودع الحلم المرعب، أو الكابوس الثقيل، ثم انفجروا يصيحون، يفرغون ما اجتمع في حلوقهم من الكلمات التي حبسها وجود الشيخ فلم ينبسوا بها، وانطلقوا في أرجاء الدار الواسعة. والأولاد (صغار أولاد الشيخ وأحفاده ) يتراكضون ويتراشقون بما تقع عليه أيديهم من أثاث الدار، ويتراشون بالماء، أو يدفع بعضهم بعضا في البركة الكبيرة التي تتوسط صحن الدار، فيغوص الولد في أمواهها، فتعدو إليه أمه أو من تكون على مقربة منه فتخرجه من بين قهقهة الصغار وهتافهم وتقبل عليه لتنضو عنه ثيابه وتجفف جسده خشية المرض، فإذا هو يتفلت من بين يديها، ثم يركض وراء إخوته وأبناء عمه ليأخذ منهم بالثأر، والماء ينقط من ثيابه على أرض الدار المفروشة بالرخام الأبيض والمرمر الصافي التي أنفقت الأسرة ساعات الصباح كلها في غسل رخامها ومسحه بالإسفنج، حتى أضحى كالمرايا المجلوة أو هو أسنى… وعلى السجاد الثمين الذي يفرش القاعات الكثيرة والمخادع، وهم ينتقلون من غرفة إلى غرفة، ومن درج إلى درج، ويفسدون ما يمرون به من الأغراس التي لم تكن تخلو من مثلها دار في دمشق، من البرتقال والليمون والكباد والفراسكين والنارنج والأترج (الطرنج) وقباب الشمشير والياسمين والورد والفل، تتوسط ذلك كله الكرمة (الدالية) التي تتمدد على (سقالة) تظلل البركة تحمل العنب (البلدي) الذي يشبه في بياضه وصفائه اللؤلؤ، لولا أن الحبة الواحدة منه تزن أربع حبات مما يسمى في مصر والعراق عنبا… والجدة تعدو وراءهم ما وسعها العدو تصرخ فيهم صراخا يكاد من الألم يقطر منه الدم:
(( ولك يا ولد أنت ويّاه… يقصف عمري منكم… وسختم البيت… يا ضيعة التعب والهلاك… الله يجعل عليّ بالموت حتى أخلص منكم ) )
فيختلط صراخها بصياح الأولاد، وضحك الضاحكين منهم وبكاء الباكين، وهم يتضاربون، ويسقطون ما يعثرون به من الأواني والكؤوس… ولا يصغي لنداء الجدة أحد منهم…
ويلبثون على ذلك حتى ينادي المؤذن بالظهر، فتنطفئ عند ذلك شعلة حماستهم، وتتخافت أصواتهم ويحسون بدنو ساعة الخطر، فينزوي كل واحد منهم في ركن من أركان الدار ينظر في ثيابه يحاول أن يزيل ما علق بها من الأوساخ، أو أن يصلح ما أفسد منها، كيلا يبقى عليه أثر يعلن فعلته، ويتذكرون ما هشموا من أثاث المنزل حين عاثوا فيه مخربين، فيجمع كل واحد منهم كل ما يقدر عليه من حطام الأواني فيلقيه في زاوية الزقاق في غير الطريق الذي يمر منه الشيخ، ويرجع النسوة إلى أنفسهن فيسرعن في إعداد الطعام وإصلاح المنزل. وتدور العجوز لتطمئن على أن قبقاب الشيخ في مكانه لم يزح عنه شعرة، لا تكل هذه (المهمة) لكنتيها ولا لبناتها، لأنها لم تنس طعم العصي التي ذاقتها منذ أربعين سنة… في ذلك اليوم المشؤوم الذي وقعت فيه الكارثة ولم يكن قبقاب الشيخ في مكانه، وضم إليها القدر مصيبة أخرى أشد هولا وأعظم خطرا، فتأخر صب الطعام عن موعده المقدس (في الساعة الثامنة الغروبية) عشر دقائق كاملات…
وللشيخ حذاء (كندرة) للعمل، وخف (صرماية) للمسجد، و (بابوج) أصفر يصعد به الدرج ويمشي به في الدار، (وقبقاب) للوضوء، وقد تخالف الشمس مجراها فتطاع من حيث تغيب، ولا يخالف الشيخ عادته فيذهب إلى المسجد بحذاء السوق، أو يتوضأ ببابوج الدرج…
وتعد العجوز قميص الشيخ ومنديله، وتهيئ (اليقجة) التي تضع فيها ثياب السوق بعد أن تساعده على نزعها وتطويها على الطريقة التي ألفتها وسارت عليها منذ ستين سنة، من يوم تزوج بها الشيخ وكان في العشرين وكانت هي بنت ست عشرة، وهي لا تزال تذكر إلى الآن كيف وضع لها أسلوبه في الحياة وبين لها ما يحب وما يكره، وعلمها كيف تطوي الثياب وكيف تعد القبقاب، كما علمها ما هو أكبر من ذلك وما هو أصغر وحذرها نفسه وخوفها غضبه إذا هي أتت شيئا مما نهاها عنه، فأطاعت ولبثت العمر كله وهي سعيدة مسعدة طائعة مسرورة لم تخالف إلا في ذلك اليوم المشؤوم وقد لقيت فيه جزاءها، ونظرت العجوز الساعة فإذا هي منتصف الثامنة، لقد بقي نصف ساعة… ففرقت أهل الدار ووزعت عليهم الأعمال، كما يفرق القائد ضباطه وجنده ويلزمهم مواقفهم استعدادا للمعركة، فأمرت بنتها الكبرى بإعداد الخوان للطعام، وبعثت الأخرى لتمسح أرض الدار التي وسخها الأولاد، وأمرت كنتيها بتنظيف وجوه الصغار وإبدال ثيابهم حتى لا يراهم الشيخ إلا نظافا… ثم ذهبت ترد كل شيء إلى مكانه، ولكل شيء في هذا الدار الواسعة موضع لا يريمه ولا يتزحزح عنه، سنة سنها الشيخ لا تنال منه الغيرة ولا تبدلها الأيام، فهو يحب أن يضع يده على كل شيء في الظلمة أو نور، في ليل أو نهار، فيلقه في مكانه، ولما اطمأنت العجوز إلى أن كل شيء قد تم، نظرت إلى الساعة فإذا هي دون الموعد بخمس دقائق… فاستعدت وغسلت يديها ووجهها ولبست ثوبا نظيفا كعهدها ليلة عرسها لم تبدل العهد، واستعد أهل الدار بكبارهم وصغارهم.