فهرس الكتاب

الصفحة 26976 من 27345

د عبد الله بن إبراهيم الطريقي 23/8/1423

ربما تكون أحداث الحادي عشر من سبتمبر من أهم الأحداث في عصرنا الحاضر وأخطرها ، سواء هي في نفسها أو من خلال تداعياتها وذيولها . حيث اختلطت الأوراق على كثير من العقلاء من مسلمين وغير مسلمين ، وحامت الشكوك والظنون حول اليقينيات حتى تشكك الناس في عقولهم . وقد رأينا من المواقف والآراء المتباينة والمتناقضة من قبل أهل الملة المسلمة مالا يليق بأمة وسط ، هي خير أمة أخرجت للناس ، لها ثوابتها ولها مصادرها المعروفة . أما حين تستقرئ هذه المواقف المتباينة فإن ذاكرتك وتخيلاتك تذكرك بأهل الكتاب واختلافهم على أنبيائهم ، ثم تعدد كتبهم ومصادرهم . لقد رأينا من قومنا من أهل العلم والفكر والرأي من ندد بالحدث واستنكره بغض النظر عن ظروفه المكانية ، وفيهم من مرّره وبرّره ، وفيهم من تغاضى عنه ، كما رأينا من يبارك هذه الحرب ضد ما يسمى (الإرهاب) أياً كانت الجهة المقصودة ، ومهما يترتب عليها، وبأي وسيلة كانت ، ورأينا في المقابل من يستهجنها وينكرها .

كما سمعنا ، ومازلنا نسمع كيل الاتهامات ومباركة الأحكام الصوارم في حق كل شخص أو جهة أو مبدأ ينقم عليه الغرب ، وفي غمضة عين انقلبت مفاهيمنا السابقة ، فأصبح الجهاد والمقاومة إرهاباً ، وأصبح المجاهد إرهابياً ، وكل مجتمع مسلم يعتز بإسلامه فهو محل اتهام، فما مرد ذلك ؟

أهو بسبب هول الحدث وما نتج عنه من ذهول ، أم بسبب وسائل الإعلام التي تقوم بتهويل الحدث وترويج الشائعات وإلقاء الرعب ، وهي - في غالبها- وسائل إعلام غربي ، تعنى بالمصالح الغربية ليس إلا .

أم ترى ذلك بسبب غياب الإعلام الإسلامي الرزين الذي يتعامل مع الحدث بعقلانية وموازين إسلامية ، ويتصدى للأزمات بعزم وحزم .

أم تراه بسبب غياب الرأي العام الإسلامي الذي يحتوي مرئيات جماهير المسلمين ونظراتهم إلى الأحداث ، وتنبع - من ثم - القرارات والمواقف الثابتة . أم مردُّ ذلك إلى غياب المرجعية العلمية العليا التي يرجع إليها الناس عند كل أمر ذي بال يحتاج إلى حكم شرعي ويقفون عند رأيها .

إنها تساؤلات متسلسلة ، بل قل متداخلة تستحق الوقوف الطويل ، عسى أن نصل إلى شيء من الإجابات المفيدة .

أما الحدث ذاته فهو مهول ، ولذلك فقد يكون لصدمته رد فعل غير شعوري لكل من رآه ممن يعنيه أمره أو لا يعنيه ، كما حصل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حينما سمع بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث استنكر ذلك ونفاه . لكن أبا بكر - رضي الله عنه - كان أكثر صلابة منه مع ما هو مطبوع عليه من الرقة ، فتعامل مع الأمر بواقعية أكثر، وأحل السكينة محل الاضطراب ، فكانت تلك من أعظم مناقبه .

وهذا هو الأسلوب الأمثل تجاه الأحداث العظام ، فالتسرع ليس من شيم المسلم ، وقد مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - أشج عبد القيس بخصلتين طبع عليهما الحلم والأناه .

أما التساؤل الآخر: وهو دور وسائل الإعلام الغربي في تهويل الأحداث فهذا أمر مشهود ، وليس فقط مجرد التهويل ، ولكنه الاستغلال للحدث ، بحيث يكون ( قضية الساعة ) .

ثم يأتي أساطينه - وغالبهم من اليهود - فيوظفون القضية لمصالح الغرب بصفة عامة ، ولمصلحة الصهيونية والصليبية بصفة خاصة سواء عن طريق الخبر ، أو التحليل ، أو التصوير ، أو الرسم أو التمثيل ، أو الحوار .. إلى غير ذلك .

أما إعلام العرب أو المسلمين فإنه يأتي لاحقاً ومحاكياً ، وربما متسولاً عن طريق وكالات الإعلام الغربية وفضائياته . حتى لا يكاد يسمع للعرب والمسلمين صوت ، أو يقرأ لهم رأي مميز.

وكم يكون الناس - في شرق الأرض وغربها - محتاجين إلى الإعلام الرشيد ، الذي يتعامل مع الأحداث بعقل وعلم ، بعيداً عن الشطح والتطرف ، أو الانهزامية والتذلل .

وننتقل إلى التساؤل الخاص بالرأي العام فهو ( الرأي العام ) في نظري من أهم الموجهات والمؤثرات في صناعة القرارات في كل المجتمعات الإنسانية بغض النظر عن هذه القرارات ومواءمتها للحق ؛ وذلك لكونه أثراً من آثار ثقافة المجتمع وأسلوب تفكيره .

والنظام الغربي ( الديمقراطي ) يعتمد على الرأي العام بشكل ملحوظ في كثير من شؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وغيرها ، سواء في سياسته الداخلية أم الخارجية .

ولذلك فإن جُلَّ القرارات تكتسب صفة التأييد الشعبي ، مهما كانت قناعات الشعب ، حقيقية كانت أو مموهة .

أما في الإسلام الذي يختلف عن النظام الديمقراطي في كثير من الأصول والمنطلقات ، فإن في المسألة تفصيلاً . فكل قضية أو شأن منصوص عليه شرعاً فليس محل نظر أو استطلاع رأي .

"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم""وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". بل على المسلم ، أياً كان موقعه ، الامتثال والاستجابة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت