الإعجاز في التذكية (الذبح)
مقدمة:
تعد قضية ذبح الحيوان التي شرعها الإسلام قبل الإفادة من لحم الحيوان - الذي أحله الله - من جملة القضايا الساخنة التي يثيرها أعداء الإسلام بحقد للتشكيك في شرائعه وأحكامه؛ جهلًا منهم بطبيعة الأوامر الربانية التي لا يأتيها الباطل ولا يعتريها النقص والخلل.
وكثيرًا ما دارت معارك كلامية وحوارات مفتعلة مع الأقليات المسلمة، في كل من بريطانيا، وأمريكا، وفرنسا، وغيرها حول هذه القضية. وتعد جمعية الرفق بالحيوان في هذه البلدان وغيرها من أبرز الجمعيات التي تثير هذه القضية، وتستنكرها، وتظهر مناظر الأغنام بعد قيام المسلمين بذبحها وهي ترفس بأطرافها وتتلوى من الألم؛ متهمة القائمين بذلك بالوحشية والهمجية، وهذا - بالإضافة إلى كونه من مظاهر الحقد والتشويه - يعد جهلًا مركبًا بما توصل إليه العلم الحديث في هذا المجال من الحقائق الدامغة.
ولا يضر دين الله الحق المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل هذه الافتراءات، فهو أسمى من أن تنال من حكمته السامية هذه الافتراءات الحاقدة وغيرها، فضلًا من أن تضع أحكام الإسلام وشرائعه الربانية موضع الشك والاتهام، خاصة وأن التقدم العلمي يقدم الأدلة الواضحة على صحة تلك الشرائع الربانية، وحكمتها السامية، ومن ذلك ما نسمعه من كلام أهل الاختصاص في قضية ذبح الحيوان المقررة شرعًا. (1)
ويتكون هذا الموضوع من أربعة مباحث كلها ذات صلة وثيقة بهذا الموضوع وهي كما يلي:
1.الدم من الناحية الشرعية والعلمية ووجه الإعجاز فيه.
2.الميتة من الناحية الشرعية والعلمية ووجه الإعجاز فيه.
3.التسمية عند الذبح من الناحية الشرعية والعلمية ووجه الإعجاز فيه.
4.قطع النخاع من الناحية الشرعية والعلمية ووجه الإعجاز فيه.
أولا:حكم أكل الدم في الإسلام:
لما كان الدم هو المادة المرئية الخارجة من الحيوان عند التذكية فإنه يحسن أن نتناوله بشيء من التأصيل الشرعي والعلمي:
قال الله تعالى:?قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طاعم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ? . [الأنعام:145] , يتضح من الآية أن الدم المسفوح حرام والمسفوح هو الكثير المصبوب والسَّفْحُ للدم كالصَّب (2) .
قال الشوكاني: اتفق العلماء على إن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به. قال ابن خويز منداد:"وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ومعفو عما تعم به البلوى والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه، ويسيره في البدن والثوب يصلى فيه وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال:? حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ? . [ المائدة:3] "وقال في موضع آخر:?قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحًا? . [ الأنعام:145] "فحرم المسفوح من الدم وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره » (3) لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة والإصر والمشقة في الدين موضوع وهذا أصل في الشرع أنه كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقط التكليف عنها فيه أو خفف عنها ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة وأن المريض يفطر ويتيمَّم في نحو ذلك .وذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقًا وقيده في الأنعام بقوله:?مسفوحًا?، وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعًا فالدم هنا يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه وفي دم الحوت المزايل له اختلاف وروي عن القابسي أنه طاهر ويلزم من طهارته أنه غير محرم وهو اختيار ابن العربي قال: لأنه لو كان دم السمك نجسًا لشرعت ذكاته. وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت والدليل على إنه طاهر أنه إذا يبس ابيَضَّ بخلاف سائر الدماء فإنّه يَسوَد وهذه النكتة لهم في الاحتجاج على الشافعية". (4) ويقول الدكتور محمد راتب النابلسي (5) :الشيء الذي لا يصدق أن السمكة إذا اصطيدت انتقل دمها كله إلى غلاصمها، وكأنها ذبحت، لذلك سمح الله أن نأكل ميتة السمك.
التفسير العلمي لتحريم الدم: