سلسلة على طريق الأصالة
ماذا حققت حركة اليقظة في القرن الرابع عشر الهجري
حققت حركة اليقظة الإسلامية في القرن الرابع عشر عددًا من الانتصارات التي غيرت مجرى المجتمع الإسلامي تغييرًا جذريًا وأعدته لاستقبال خطوات أكثر إيجابية على طريق الله تبارك وتعالى في خلال القرن الخامس عشر، هذه الخطوات والانتصارات يجب أن تكون موضع نظر ودراسة وتقدير الفاحصين لتطور هذه الأمة نحو الأصالة ونحو تحقيق رشدها الفكري وتحررها من أغلال التبعية والتقليد والاحتواء والإذابة الذي عمد النفوذ الأجنبي علي تحقيقها في محاولة لصهرها في أتون الأممية العالمية حتى يضيع طابعها الخاص وذاتيتها الربانية القائمة بالتوحيد الخالص منذ أربعة عشر قرنًا لتكون مؤهلة لجعل البشرية على الحق وإضاءة طريق الله تبارك وتعالى أمامها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولنذكر أن النفوذ الأجنبي الذي فرض على المسلمين في القرن الثالث عشر الهجري والذي امتد إلى اليوم في صور مختلفة منها الاستعمار والحماية والوصاية والتبعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في مراحل مختلفة من القرنين الثالث عشر والرابع عشر هو نوع فريد من التحدي الذي يختلف اختلافًا واضحًا وعميقًا عما سبقه من مؤامرات الاحتواء والسيطرة التي عرفت أبان حملات التتار والحروب الصليبية، ومؤامرات الشعوبيين والزنادقة فإن أخطر ما حدث في هذه الحملات الاستعمارية الأخيرة هو أن النفوذ الأجنبي قد أجلى المسلمين عن منهجهم السياسي والاجتماعي والتربوي بأن فرض عليهم نظمًا وافدة، حملهم عليها حملا وكان مدخله إلى ذلك هو تغيير هوية التربية والتعليم وفرض أنظمة تعليمية مدخولة كونت أجيالا رفعها النفوذ الأجنبي وحماها وسلم إليها مقاليد الأمور وضمن حين أنهى وجوده السياسي والعسكري أنها ستمضي على الطريق.
ولكن الأمر لم يمضى كما ظن النفوذ الأجنبي ورجاله من دعاة التغريب والغزو الثقافي فإن حركة اليقظة الإسلامية سرعان ما اشتد عودها وأصبحت قادرة على كشف الزيف والرد على الاتهامات ودحض الشبهات بما أعاد اعتبارها في نظر الأجيال الجديدة التي حاول التغريب خداعها والتغرير بها لتنظر إلى أمتها وعقيدتها ولغتها ودينها وشريعتها نظرة الاستشراق والتغريب التي روج لها سنوات عديدة عن طريق المدرسة والصحيفة والثقافة الوافدة.
ومن أهم الحقائق التي تعد انتصارًا في هذا المجال:
أولا: تصحيح المفاهيم فيما يتعلق بالقيم والشخصيات الإسلامية فقد توالت الحملات على (ابن خلدون) و (ابن تَيْمِيَّة) و (الغزالي) بينما أزجيت عبارات التكريم والتقدير لابن سينا والفارابي والحلاج والسهرودي واستمر ذلك زمنًا طويلا، بل أن الاستشراق قد تمكن من خداع بعض المبعوثين إلى الغرب ليقدموا رسائل وأطروحات تقدم هذه الشخصيات الكريمة على أنها لا تمتلك قدرًا كبيرًا من العلم أو الفعل على النحو الذي فعله الدكتور طه حسين في رسالة عن (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية) التي قدمها واتهمه بالقصور والاضطراب متابعة لرأي دعاة المدرسة الاجتماعية الفرنسية التي كان يقودها اليهودي دوركايم والذي عاش طه حسين في حضانة فكره وتابعه في رأيه عن ابن خلدون، ويجيء اليوم من الشعوبيين من يدعو إلى إعادة بعث هذا البحث المسموم ظنًا منه أنه بحث علمي صحيح ولقد استطاع الباحثون المسلمون أن يدحضوا وجهة نظر التغريب والاستشراق والشعوبية إزاء هذا العالم الكبير الذي حظى في السنوات الأخيرة بتقدير المنصفين من الباحثين الغربيين على أساس أنه قدم ثلاثة علوم وهي: تحليل التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد.
وكذلك فقد كشفت الأبحاث عن فساد وجهة الفارابي وابن سينا من الناحية الفلسفية (مع تقدير دورهم في الطب والعلوم) أما في الفلسفة فقد تبين أنهما كانا تابعين لمدرسة المشائين اليونانية وأنهما خضعا لمفاهيم الفلسفة اليونانية التي يقودها أرسطو وأفلاطون عن فكرهما لا يمنع مفهوم الإسلام الحقيقي وإن مفهوم الفلسفة اليونانية الذي قدماه قد رفضه الفكر الإسلامي الذي يقوم على مفهوم التوحيد الخالص.
كذلك فقد تكشف مفهوم (الحلاج) و (السهرودي) في الفكر الذي قدمه بأنه لم يكن من الفكر الإسلامي الأصيل ولكنه كان مفهومًا زائفًا استوحياه من الأفلاطونية التي كانت تمثل فكرًا مسيحيًا ويهوديًا ممتزجًا قبل الإسلام.
وكذلك انكشفت أهداف الاستشراق والتغريب وحوصر الاستشراق بعد أن انكشفت سمومه.