د. مسفر بن علي القحطاني (*) 14/9/1425
المُراد بهذه المسألة:
تحتاج الجهات الخيرية ووجوه البر والدعوة إلى الله -عز وجل- إلى دعم مالي يحقق لها مقاصدها النافعة وأهدافها السامية في خدمة هذا الدين. وصدقات وتبرعات المحسنين قد لا تفي بسد الحاجات اللازمة لهم، ولا تكفي لتحقيق أهدافهم النبيلة، ومن هنا كثرت استفتاءات العاملين في هذه المجالات عن جواز دخولهم في مصرف (( وفي سبيل الله ) )مع أن جمهور العلماء قصروه على الغزاة في سبيل الله عز وجل. فهل يجوز لهم أخذ الزكاة؛ نظرًا لظروف عصرنا الحاضر التي ازدادت الحاجة إلى إقامة المشاريع الخيرية من مساجد وأربطة ودور للعلم مع قلة الموارد الداعمة لها في أكثر البلاد الإسلامية؟
الحكم الفقهي لهذه المسألة:
وهذه المسألة وإن كانت قد بحثت قديمًا ولكن الحاجة إليها جعلتها من نوازل العصر التي تتطلب اجتهادًا جديدًا لا يخرج عن مفهوم النص، ويتوافق مع مقاصد الشرع الحنيف. ولذلك قام المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بدراسة الموضوع ومناقشته، وظهر للعلماء المجتمعين في المسألة قولان:
(( أحدهما: قصر معنى (( وفي سبيل الله ) )في الآية على الغزاة في سبيل الله عز وجل.
وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب (( وفي سبيل الله ) )على المجاهدين الغزاة في سبيل الله عز وجل.
القول الثاني: إن سبيل الله شامل عام لكل طرق الخير، والمرافق العامة للمسلمين من بناء المساجد وصيانتها وبناء المدارس والرّبط، وفتح الطرق وبناء الجسور، وإعداد المؤن الحربية، وبث الدعاة، وغير ذلك من المرافق العامة مما ينفع الدين وينفع المسلمين.
وهذا قول قلة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين.
وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
1-نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظًا من النظر في بعض الآيات الكريمة، مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى) (1) .
ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في سنن أبي داود: أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (( اركبيها فإن الحج في سبيل الله ) ) (2) .
2-ونظرًا إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن إعلاء كلمة الله تعالى مما يكون بالقتال يكون ـ أيضًا ـ بالدعوة إلى الله ونشر دينه؛ بإعداد الدعاة، ودعمهم، ومساعدتهم على أداء مهمتهم فيكون كلا الأمرين جهادًا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) ) (3) .
3-ونظرًا إلى أن الإسلام محارب ـ بالغزو الفكري والعقدي ـ من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام، وبما هو أنكى منه.
4-ونظرًا إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون.
لذلك كله فإن المجلس يقرر ـ بالأكثرية المطلقة ـ دخول الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها في معنى ( وفي سبيل الله ) في الآية الكريمة. هذا وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين )) (4) .
وهذا الرأي الذي ذهب إليه المجمع الفقهي هو اختيار بعض الصحابة والتابعين وفقهاء المذاهب وكثير من المعاصرين (5) .
-تقرير الاستدلال على حكم هذه المسألة:
إن منشأ الخلاف في تخصيص مصرف (( وفي سبيل الله ) )في الغزو والجهاد أو تعميمه في وجوه الخير وأنواع البر مبني على الخلاف في قاعدتين من قواعد الخلاف عند الأصوليين:
القاعدة الأولى:
( الفرد المضاف إلى معرفة هل يعتبر من صيغ العموم أم لا؟ ) (6) لقوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (7) فالنعمة لفظ مفرد مضاف إلى معرفة فيعم كل النعم، ومثله (( وفي سبيل الله ) )في آية الصدقة فهو لفظ مفرد مضاف إلى معرفة فيعم كل سبل الخير، وهذه الصيغة من صيغ العموم.
قال بعمومها الإمام مالك وأحمد وأصحابه ـ رحمهم الله ـ تبعًا لعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- كقولك: أدب ولدك وامرأتك يشمل جميع أولادك ونسائك. وذهب الحنفية وبعض الشافعية إلى عدم عموم هذه الصيغة.
القاعدة الثانية:
(هل يخص العام بمقصوده أو يحمل على عموم لفظه ) ؟ (8) .