فهرس الكتاب

الصفحة 3629 من 27345

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ؛ محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- أما بعد:-

فإن الحفاظ على النفس من الضروريات الخمس التي أمر الله بالحفاظ عليها ؛ ولذا شُرع للإنسان أن يتناول الأكل والشراب اللازم لقيام بدنه ، كما شرع له النكاح والبحث عن مسكن ، وشرع له أيضًا التداوي من الأمراض واجتناب كل ما من شأنه أن يضره في بدنه ونفسه ؛ فحرم عليه الخمر والخنزير وأكل الميتة والدم وما ولغ فيه الكلب ... كل ذلك ليحافظ على نفسه من الهلاك أو ليرفع عنها المشقة والعنت أو ليُكمّل لها الراحة والطمأنينة .

ومما يحافظ على النفس - أو بعضها - من الهلاك ويحميها من الضياع: القصاص والديات والأروش ؛ قال تعالى ? وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ? [البقرة:179] ، فالقيام بذلك يعني حماية النفس وصيانتها ، والتفريط فيه يعني هلاكها ؛ ومن هنا كان كل من القصاص والدية عقوبات رادعة لمن اعتدى على هذه النفس المصانة .

والإسلام قد قدّر هذه الديات وحددها ولم يتركها وفقًا للأمزجة والأهواء والتعسف ، ولكنا نلحظ - في زماننا هذا - رخصًا واضحًا وتدنيًا بيّنًا في تقدير قيمة الديات ، حتى نجد أن هذه التقديرات الحالية غير رادعة ، مما أدى إلى استهانة الناس بدماء بعضهم البعض ، وأدى ذلك أيضًا إلى كثرة الثارات التي ربما تطول لعشرات السنين .

والناس اليوم لم يعودوا يتعاملون بالإبل والدينار والدرهم ، أو أنهم يربون الأغنام والأبقار ولكن- في الغالب- بكميات قليلة.

لأجل ما سبق كله كان لا بد من دراسة أصول الديات التي يُرجع إليها في التقدير مهما اختلف الزمان أو المكان ؛ فأقول والله موفقي ومسددي ومعيني:

تعريف الدية:

الدية في اللغة (مصدر ودية القاتل المقتول أي أعطى ديته، وأعطى لوليه المال الذي هو بدل النفس ؛ ثم قيل لذلك المال الدية تسميةً بالمصدر. قال في القاموس: الدِّيَةُ بالكسر: حَقُّ القَتيلِ جمعها: دِياتٌ ) (1) . وفي الصحاح: ( وديت القتيل أديهِ ديةً إذا أعطيت ديته ) (2) . وفي لسان العرب: (الدِّيةُ: حَقُّ القَتيلِ، وقد وَدَيْتُه وَدْيًا. قال الجوهري: الدِّيةُ واحدة الدِّيات ، والهاءُ عوض من الواو، تقول: ودَيْتُ القَتِيلَ أَدِيه دِيةً إِذا أَعطيت دِيَتَه، و اتَّدَيْتُ أَي أَخذتُ دِيَتَه .. وأَصل الدِّية ودْية فحذفت الواو ) (3) .

قال السرخسي: ( واشتقاق الدية من الأداء لأنها مال مؤدى في مقابلة متلف ليس بمال وهو النفس ، والأرش الواجب في الجناية على ما دون النفس مؤدى أيضًا ، وكذلك القيمة الواجبة في سائر المتلفات ؛ إلا أن الدية اسم خاص في بدل النفس ؛ لأن أهل اللغة لا يطردون الاشتقاق في جميع مواضعه لقصد التخصيص بالتعريف ) (4) . وقال ابن نجيم: (وقد صار هذا الاسم علمًا على بدل النفوس دون غيرها وهو الأرش ) (5) .

وأما معناها في الشرع ؛ ( فالدية عبارة عما يؤدى ) (6) . وعُرفت بأنها: (مقدار معلوم من المال على عاقلة القاتل في الخطأ ، وعليه في العمد ؛ بسبب قتل آدمي حر معصوم - ولو بالنسبة لقاتله - عوضًا عن دمه ) (7) . وقال الشربيني الشافعي: (وهي المال الواجب بجناية على الحر في نفس أو فيما دونها ) (8)

أصول الديات:

• المذهب الحنبلي:

قال ابن قدامة: ( أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل ، وقد دلت عليه الأحاديث الواردة ، منها حديث عمرو بن حزم ، وحديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - في دية خطأ العمد ، وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في دية الخطأ ) (9) ، وظاهر كلام الخِرقي أن الإبل خاصة هي الأصل في الدية . قال أبو الخطاب: ( هذا إحدى الروايتين عن أحمد ) (10) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتيل السوط والعصا"مائة من الإبل" (11) ؛ ولأنه فرّق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ؛ ولا يتحقق هذا إلا في الإبل ؛ ولأنه بدل متلف حقًا لآدمي فكان متعينًا كعوض الأموال ، وعلى هذا فإن بقية ما ذكر أبدال عنها أشبه المتيمم إذا عُدِم الماء ، لأن ذلك أقل ما تُحمل عليه الأحاديث (12) ، ونسب ابن قدامة هذا القول لطاووس والشافعي وابن المنذر (13) . فدل هذا على أن الأصل في الدية هي الإبل . وعليه فلا يُصار إلى غيرها إلا عند الإعواز ؛ قال ابن قدامة - رحمه الله: ( فإن أعوزت أولم توجد إلا بأكثر من ثمن مثلها فله الانتقال إلى أحد هذه الأنواع ؛ لأنها أبدال عنها فيصار إليها عند إعوازها كالقيمة في بدل المثليات ) (14) ، وعليه فمن وجبت عليه الدية وجب تسليمها من الإبل ، وأيهما أراد العدول إلى غيرها فللآخر منعه ، لأن الحق متعين فيها كالمثل في المثليات (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت