فهرس الكتاب

الصفحة 25663 من 27345

رئيسي:المنهج:السبت 9 رمضان 1425هـ - 23 أكتوبر 2004 م

في ثنايا التوجيهات والتشريعات القرآنية- ذلك المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية- يجد الناظر في هذه التوجيهات منهجًا للتربية، قائمًا على الخبرة المطلقة بالنفس الإنسانية ومساربها الظاهرة والخفية; يأخذ هذه النفس من جميع أقطارها، كما يتضمن رسم نماذج من نفوس البشر واضحة الخصائص، جاهرة السمات حتى ليخيل للإنسان وهو يتصفح هذه الخصائص والسمات أنه يرى ذوات بعينها تدب في الأرض وتتحرك بين الناس، ويكاد يضع يده عليها وهو يصيح هذه هي بعينها التي عناها القرآن.

وفي هذا الدرس نجد الملامح الواضحة لنموذجين من نماذج البشر:

الأول: نموذج المرائي الشرير، الذلق اللسان الذي يجعل شخصه محور الحياة كلها: والذي يعجبك مظهره ويسوؤك مخبره، فإذا دعي إلى الصلاح وتقوى الله؛ لم يرجع إلى الحق، ولم يحاول إصلاح نفسه، بل أخذته العزة بالإثم، واستنكف أن يوجه إلى الحق والخير، ومضى في طريقه يهلك الحرث والنسل.

والثاني: نموذج المؤمن الصادق الذي يبذل نفسه كلها لمرضاة الله، لا يستبقي منها بقية، ولا يحسب لذاته حسابًا في سعيه وعمله.

وعقب عرض هذين النموذجين؛ نسمع هتافًا بالذين آمنوا ليستسلموا بكليتهم لله دون ما تردد، ودون ما تجربة لله بطلب الخوارق والمعجزات كالذي فعلته بنو إسرائيل حين بدلت نعمة الله عليها وكفرتها. ويسمى هذا الاستسلام: دخولًا في السلم، فيفتح بهذه الكلمة بابا للتصور الحقيقي الكامل لحقيقة الإيمان بدين الله، والسير على منهجه في الحياة كما سنفصل .

وفي مواجهة نعمة الإيمان الكبرى وحقيقة السلام التي تنشر ظلالها على الذين آمنوا يعرض سوء تصور الكفار لحقيقة الأمر، وسخريتهم من الذين آمنوا بسبب ذلك التصور الضال، ويقرر إلى جانب ذلك حقيقة القيم في ميزان الله:...وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... [212] } [سورة البقرة] .

يلي هذا تلخيص لقصة اختلاف الناس، وبيان للميزان الذي يجب أن يفيئوا إليه ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وتقرير لوظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويتطرق من هذا إلى ما ينتظر القائمين على هذا الميزان من مشاق الطريق; ويخاطب الجماعة المسلمة فيكشف لها عما ينتظرها في طريقها الشائك من البأساء والضراء والجهد الذي لقيته كل جماعة نيطت بها هذه الأمانة من قبل؛ كي تعد نفسها لتكاليف الأمانة التي لا مفر منها، وكي تقبل عليها راضية النفس مستقرة الضمير; تتوقع نصر الله كلما غام الأفق وبدا أن الفجر بعيد.

الدرس الأول: نموذج المنافق الكاذب، والمؤمن الصالح:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [204] وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [205] وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [206] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [207] } [سورة البقرة] .

هذا المخلوق الذي يتحدث، فيصور لك نفسه خلاصة من الخير، ومن الإخلاص، ومن الترفع، ومن الرغبة في إفاضة السعادة والطهارة على الناس..هذا الذي يعجبك حديثه، تعجبك ذلاقة لسانه، وتعجبك نبرة صوته، ويعجبك حديثه عن الصلاح {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} . زيادة في التأثير والإيحاء، وتوكيدًا للتجرد والإخلاص، وإظهارًا للتقوى وخشية الله {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} تزدحم نفسه باللدد والخصومة، فلا ظل فيها للود والسماحة، ولا موضع فيها للحب والخير، ولا مكان فيها للتجمل والإيثار.. هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه، ويتنافر مظهره ومخبره.. هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان.

حتى إذا جاء دور العمل ظهر المستور، وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} وإذا انصرف إلى العمل كانت وجهته الشر والفساد في قسوة وجفوة ولدد تتمثل في: إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات، ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالإنسال. {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} ولا يحب المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد ولا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت