د . يوسف بن أحمد القاسم 30/3/1427
رجع أحمد إلى بيته من صالة التداول يجر رجليه في خطى متثاقلة، وعينين حائرتين، ونفس مثقلة بالهموم، وقد بدت على وجهه ملامح الدهشة والوجوم، فلم يأت لأهله وأولاده بوجبة الطعام كعادته, ولم يجلس مع أطفاله يمازحهم ويمازحونه كما عودهم, بل ألقى بنفسه على الأرض لا يلوي على شيء, مثقلًا بالهموم والديون التي ألقاها على عاتقه من يعبد الدرهم والدينار, والصبية من حوله يتضاغون عند قدمه من فرط الجوع والدهشة, وحين سألته أم أولاده عن حاله؟ أجابها بصوته المنكسر: لقد ظهرت هوامير بشرية في السوق تأكل اليابس والأخضر, وتلفظه فيتحول بقدرة الله تعالى إلى أحمر فاقع لونه لا يسر الناظرين!! وهذه الهوامير المخيفة وإن كانت كبيرة الحجم لكنها لا ترى في النور, يصطادون في وضح النهار صيودًا لا يذكرون اسم الله عليها؛ لأن الحلال عندهم ما حل في أيديهم, والحرام ما حُرِموه!!
واكتشف أحمد بعد فوات الأوان, أن السوق الذي ابتلع ماله فلم يبق منه إلا كالنقطة البيضاء في جلد الثور الأسود, أو كالرقمة في ذراع الحمار, أن ذلك السوق لا يتحكم فيه قانون العرض والطلب, بل يتحكم فيه من يعبث بكمية الأسهم بيعًا وشراء بقصد قلب موازين السوق لملء جيوبه, وشق جيوب الآخرين!! ألا ساء مايزرون.
وهذه قضية جد خطيرة, وهي العبث بقانون العرض والطلب لتحقيق مصالح شخصية, وإن كانت على حساب الآخرين، ولاشك أن من أبجديات نظام سوق البيع والشراء التي لا تحتاج إلى برهان:
أن ارتفاع قيم السلع وانخفاضها خاضع لقانون العرض والطلب, فكلما زاد الطلب على سلعة أو على أسهم ما زادت القيمة, وكلما انخفض الطلب وزاد العرض انخفضت القيمة, تبعًا لذلك.
وحيث إن هذا القانون المألوف جزء لا يتجزأ من حياة السوق الطبيعية, لذا منع شرعنا الحنيف من التدخل في هذا النظام بأي أسلوب كان؛ لما يؤدي إليه هذا التدخل أو التحكم من إلحاق الضرر بالمتعاملين في السوق في أغلب الأحوال, وأقرب شاهد على هذا ما تشهده سوق الأسهم السعودية من تحكم بعض المضاربين في قوى العرض والطلب, حتى أصبح كثير من الأغرار عالة يتكففون الناس.
وفي سوق العصر القديم أساليب كثيرة للتحكم في قانون العرض والطلب, وقد حرمها الشارع وحذر منها, وهي ما يلي:
1-النجش في البيع والشراء, وهو أن يوهم الناجشون بأن لهم رغبة في السلعة -بأي أسلوب كان- مما يرغب فيها السوام الحاضرون للشراء, فيزيد ثمنها؛ إما ليجر الناجش لنفسه أو للبائع نفعًا, أو بقصد الإضرار بالمشتري, وحيث إن هذا الأسلوب مما لا يتفق مع خلق المسلم, لذا جاء النهي عنه, كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش) وفي رواية لهما (ولا تناجشوا) ومن صور النجش المعاصرة ما يقوم به بعض أولئك المضاربين في سوق الأسهم من تقديم عروض أو طلبات وهمية بأسعار معينة يقصد بها التأثير على أسعار السوق من أجل جني الأرباح ولو على حساب من يبحث عن لقمة عيش لأولاده! وهو أسلوب بالغ في القبح والدناءة.
2-ومن هذا الباب ممارسة الكذب, ونشر الشائعات في السوق, كإشاعة خبر تنامي الطلب على أسهم شركة ما, مما يرغب الناس في الشراء, حتى أصبح من المقولات السائدة في السوق: (اشتر على الإشاعة وبع على الخبر) وهذا السلوك الخاطئ حذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) وذكر منهم: (المنفق سلعته بالحلف الكاذب) وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عن المتبايعين: (إن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما , وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) .
3-ومن أساليب التحكم في قانون العرض والطلب: الاحتكار للسلع التي تمس حاجة الناس إليها, حيث يحبس المحتكر السلعة عن المستهلكين حتى تقل في السوق ويكثر طلبها والبحث عنها, ثم يعرضها في السوق بعد ارتفاع قيمتها, وهو أسلوب ينم عن ضعة نفس صاحبه,ولهذا حرمه الشارع, كما في صحيح مسلم عن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من احتكر فهو خاطئ) أي: مذنب؛ لأن الخاطئ في لغة العرب: من يتعمد الخطأ, ولهذا قال تعالى في طعام أهل النار: (لا يأكله إلا الخاطئون) وهذا بخلاف المخطئ, فهو من يقع منه الخطأ بغير قصد, وهذا مما عفا الله تعالى عنه.