اللقيط نفس محترمة لا يجوز تركه وتعريضه للهلاك، لأن في ترك الإنفاق عليه هلاكه، وحفظه من ذلك واجب كإنقاذه من الغرق، وهو فرض كفاية. فمن هو المكلف بالإنفاق على اللقيط ؟ وما هي الخطوات التي يجب مراعاتها في الإنفاق على اللقيط ؟
أولا: الرواية الواردة في ذلك:
قال يحيى: قال مالك، عن بن شهاب، عن سنين أبي جميلة - رجل من بني سليم-:أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال:فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين: إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك ؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب:"اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته"وفي لفظ:"وعلينا رضاعه" (1) .
ثانيا: الخطوات التي ينبغي مراعاتها في الإنفاق على اللقيط:
الخطوة الأولى: نفقة اللقيط في ماله ، وذلك لأن له مال عام أو خاص:
1-المال العام:وهو المال الموقوف على اللقطاء، والموصى لهم . فهذا مال يستحقه بكونه لقيطا.
2-المال الخاص: وهو ما اختص به اللقيط من ثياب أو حلي عليه ، أو تحته من فراش أو سرير، أو في يده من نفقة أو عنان دابة أو مشدود في ثيابه أو ببعض جسده أو مجعولا فيه كدار وخيمة فهو له لأنه آدمي حر فما في يده له كالبالغ،وإن كان مطروحا بعيدا منه أو قريبا مربوطا بغيره لم يكن له لأنه لا يد له عليه.
فإذا لم يوجد مع اللقيط شيء لم يلزم الملتقط الإنفاق عليه في قول عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة الولد وذلك لأن أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك والولاء منتفية فالالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك وتبرع بحفظه فلا يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط (2) .
أقوال الفقهاء في أن نفقة اللقيط من ماله:
-مغني المحتاج: ونفقته:أي اللقيط ومؤنة حضانته ليست على الملتقط بل في ماله:
1-المال العام كالوقف على اللقطاء والوصية لهم، فإن قيل: كيف يصح الوقف عليهم ووجودهم لا يتحقق بخلاف الوقف على الفقراء؟ وأجيب: بأن الجهة لا يشترط فيها الوجود وإلا لم يصرف إلى من حدث فالموقوف عليه الجهة ويكفي إمكانها.
وأما إضافة المال إلى اللقيط ففيه تجوز! فإنه في الحقيقة ليس هو ماله بل مال الجهة العامة، ولكن المراد أنه يصرف إليه منه، وإن لم يكن ملكه لعموم كونه لقيطا أو موصى له، وقد يكون المال له بخصوصه كالوقف عليه نفسه أو الهبة أو الوصية له، ويقبل له القاضي من ذلك ما يحتاج إلى القبول.
2-المال الخاص: وهو ما اختص به كثياب ملفوفة عليه، وملبوسة له، ومفروشة تحته، ومغطى بها، ودابة مشدودة في وسطه، أو عنانها بيده، أو راكبا عليها ، وما في جيبه من دراهم وغيرها ، كذهب وحلي، ومهده وهو سريره الذي هو فيه، ودنانير منثورة فوقه ومنثورة تحته، فهذا كله ماله لأن له يدا واختصاصا كالبالغ (3) ، والذي يلاحظ غالبا في هذا الزمان وجود اللقيط وبجانبه مال يضعه من وضع اللقيط زيادة في تحفيز من رآه ليأخذه، ورحمة بهذا الصبي .
تنبيه:عند وجود المال العام والخاص للقيط:الأصح - والله أعلم _: تقديم الخاص لأنه مقصور عليه، ولأنه لو كانت حضانته على أبيه الموسر وله مال كانت نفقته في ماله فهذا أولى، ولأن الإنفاق عليه من بيت المال للضرورة و لا ضرورة إذا كان له مال، فلا ينفق من العام إلا عند فقد الخاص .
-العدة شرح العمدة: وما يوجد عليه من الثياب والحلي، أو تحته من فراش أو سرير أو غيره فهو له، وكذلك كل ما عنده من المال ،فهو خاص به لأنه آدمي حر فأشبه البالغ (4) .
-الإقناع: وما وجد معه من فراش تحته، أو ثياب، أو مال في جيبه، أو تحت فراشه أو مدفونا تحته طريا أو مطروحا قريبا منه: كثوب موضوع إلى جانبه أو حيوان مشدود بثيابه فهو له وأن كان في خيمة أو دار فهي له (5) .
-الكافي في فقه ابن حنبل:( وما يوجد معه فهو له، وأما المدفون تحته فليس له لأن البالغ لو جلس على دفين لم يكن له، وقال ابن عقيل: إن كان الحفر طريا فهو له لأن الظاهر أنه حفر النابذ له، وإن وجد بقربه مال موضوع ففيه وجهان:
أحدهما: هو له إن لم يكن له غيره لأن الإنسان يترك ماله بقربه.
الثاني: ليس هو له لأنه لا يد له عليه) (6) .
-كفاية الأخيار: اللقيط قد يكون له مال عام أو خاص، فالأول: كالوقف على اللقطاء والوصية لهم ، والثاني: ما يوجد تحت يده فيكون مختصا به، لأن للصغير يدا واختصاصا كالبالغ إذ الأصل الحرية ما لم يعرف غيرها، والمختص به كالثياب التي هي لا بسها، ومفروشة تحته، وملفوفة عليه، وكذا ما غطي به كاللحاف وغيره ، وكذا ما شد عليه أو جعل في جيبه من دراهم وحلي وغيرهما، وكذا دابة عنانها بيده ولو كان في خيمته فهي له ، أو في دار ليس فيها غيره ، أو في بستان وجهان: حكاهما الماوردي (7) .