[الكاتب: يحيى هاشم حسن فرغل]
موضوع السنة من الموضوعات القديمة الجديدة التي يحوم حولها أعداء الإسلام قديما، وحديثا ؛ يحاولون أن ينفذوا منها إلى هدم الشريعة ثم هدم الإسلام برمته، والمقصود بالسنة هنا أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته
وهي تتضمن الأحكام الشرعية الخمسة من الفرضية مثل صوم رمضان، أو الوجوب مثل صلاة الوتر عند الحنفية، ومن السنية أو الندب أوالاستحباب مثل صوم ست من شعبان، ومن التحريم مثل أكل الربا، ومن الكراهية التحريمية أو التنزيهية مثل أكل الثوم عند صلاة الجمعة، ومن الإباحة مثل البيع والشراء.
منذ زمن طويل أطلت برأسها فتنة الاكتفاء بالقرآن الكريم: قال رجل لعمران بن حصين لا تتحدث معنا إلا بالقرآن فقال له عمران: إنك لأحمق، هل في القرآن بيان عدد ركعات الفرائض أو اجهروا في كذا دون كذا؟ فقال الرجل لا، فأفحم الرجل.
وروى البيهقي أيضا في باب صلاة المسافر من سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه سئل عن قصر الصلاة في السفر وقيل له: إنا لنجد في الكتاب العزيز صلاة الخوف ولا نجد صلاة السفر فقال للسائل: يا أخي: إن الله تعالى أرسل إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، وإنما نفعل ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، قصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .
واليوم فإن من أظهر ما يدل على مدى التمزق والحيرة التي أصابت الساحة الثقافية - بفضل حركة التنوير - هو ما عليه المسلمون اليوم بالنسبة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهم اليوم أربعة أصناف متناحرة:
# صنف يتطرف برفض السنة كلها وهؤلاء خارجون عن الملة بالكلية.
# وصنف يأخذون بها جميعا ولكنه يتطرف فلا يفرق بين ما هو فرض ومندوب، وحرام ومكروه من الأحكام الخمسة.
# وصنف يزعم أن فيها ما هو للتشريع فيأخذ به وما ليس في التشريع فلا يأخذ به.
# وصنف يأخذ بالسنة كلها وأنها كلها تشريع يتفاوت حكمه بين الفرض والمندوب والتحريم والكراهة والإباحة.
أما الصنف الأول: الذي يزعم أنه يكتفي بالقرآن ولا يتقيد بالسنة فأمره واضح بين، إذ هو لا يلتزم بالسنة ولا بالقرآن معا، لأنه لوا التزم بالقرآن لالتزم بالسنة نزولا عند قوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } ، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ، { وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى } .
وفي سنن ابي داود بسنده عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه ) ).
هؤلاء أمرهم بين، ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا.
يقول الإمام الشعراني: (سمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول: لولا أن السنة بينت لنا ما أجمل في القرآن ما قدر أحد أن يستخرج أحكام المياه والطهارة، ولا عرف كيف يكون الصبح ركعتين والظهر والعصر والعشاء أربعا، ولا كون المغرب ثلاثا، ولا كان أحد يعرف ما يقال في دعاء التوجه والافتتاح، ولا عرف صفة التكبير، ولا أذكار الركوع والسجود، والاعتدالين، ولا ما يقال في جلوس التشهدين ولا كان يعرف كيفية صلاة العيدين والكسوفين، ولا غيرهما من الصلوات كصلاة الجنازة، والاستسقاء، ولا كان يعرف الزكاة ولا أركان الصيام والحج، والبيع والنكاح والجراح والأقضية وسائر أبواب الفقه) .
الصنف الثاني: وهو من يذهب إلى الطرف الآخر من القضية في أقصاه، فيلتزم بالسنة التي هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولكنه لا يفرق فيها بين الأحكام الشرعية الخمسة التي قدمناها فيخلط بين الفرض والمندوب، فيراه فرضا كله والمكروه والمحرم فيراه محرما كله، ويدخل المباح تارة هنا وتارة هناك.
فهؤلاء - مثلا - يستمعون إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في لعق الأصابع عند الأكل فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض، ويستمعون إلى سنته صلى الله عليه وسلم في التوضؤ بحفنة من الماء فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض كذلك.
لابد من النظر في ضوء أصول الفقه في تحديد معنى الأمر ومعنى النهي ومعنى الوجوب ومعنى الإباحة إلخ.
وفي ضوء أسباب الواقعة، التي تفسر معناها ولا تحبسه، يقول أستاذنا الدكتور موسى شاهين لاشين في بحثه القيم الذي اعتمدنا عليه في هذه المقال: