السياسة في خطبة الجمعة حمدي عبد العزيز*
ترتبط المشاركة السياسية بالمسؤولية الاجتماعية التي تقوم على أساس الموازنة بين الحقوق والواجبات؛ لذلك فهي سمة من سمات النظم السياسية التي تزدهر فيها الحريات، كما أنها لا تعني المعارضة على طول الخط؛ وإنما تعطي الأفراد الحق في الرقابة على المسؤولين، ومحاسبتهم من جهة، وتدعيم الفكر الحكومي بكثير من الآراء الصالحة التي لم تتأثر بتقاليد البيروقراطية بما يفتح الميادين للعمل والخدمات والنشاط من جهة أخرى.
ومن الملاحظ انخفاض درجة المشاركة السياسية لدى الخطباء، وانعدام الجانب السياسي في خطبة الجمعة اللهم إلا من بعض الانفعالات الغاضبة التي تعمق التعصب، أو الاجتهادات الخاصة التي تكون عرضة للخطأ والصواب، أو التصدي للقضايا السياسية والمستجدات الوطنية والإسلامية دونما تعمق أو اطلاع.
ويجد الخطيب نفسه مضطرا للحديث في مختلف المستجدات السياسية لعدة اعتبارات تتعلق بـ:
أولا: أن التحدث في كل قضية تحمل بعدا سياسيا واجب على أساس أن خطبة الجمعة تتطرق إلى مصلحة الناس.
ثانيا: لأن الإسلام لا يعرف هذا الفصل بين الدين والدنيا؛ فهو دين ودولة، نظام ومجتمع، ومنهج حياة، أحكامه تنظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة.
ثالثا: لأن الوطن والأمة الإسلامية يموجان بأحداث ساخنة ومضطربة، والعقل المسلم يعاني من تحليلات الإعلام الغربي المهيمن، أو البراجماتيين المتلونين، وينتظر الكلمة الصادقة من خطيب يدرك أمانة الكلمة ومسؤوليتها.
وليس المطلوب من الخطبة التحليل والتعمق في المستجدات السياسية المختلفة؛ وإنما التركيز على بيان القضية، والأخبار الصادقة عنها، والمنهج الشرعي في التعامل معها، أو الحكم عليها؛ فعلى سبيل المثال في قضية التعامل مع الآخر الديني ينبغي بيان ضرورة أن يكون التعامل السياسي معه على أساس من القيم الإسلامية التي تأمر بالقسط والبر معه إذا كان مواطنا في الدولة، وتحرم موالاته في حالة اعتدائه على الأرض الإسلامية كما في الحالة الصهيونية في فلسطين، والحالة الأمريكية في العراق وأفغانستان؛ لأن الموالاة هنا تفقد الإنسان إيمانه؛ ولا تلتقي مع الإسلام.
وهناك قضايا عديدة على هذه الشاكلة تحتاج إلى وقفات في خطبة الجمعة على نفس المنوال، ولعل منها: الحكم في الإسلام، الشورى، الحرية والاستبداد، الهدنة، الحرب، الإرهاب، إضراب الأسرى، إكرام الأسرى في الإسلام، ... إلخ، ومن الأهمية في هذا الإطار أن تتوافر لدى الخطيب الرغبة في الإلمام بهذه القضايا، والوعي بها، فضلا عن البحث فيها داخل الكتب، أو على شبكة الإنترنت.
ومن المراجع المفيدة في هذا الشأن: كتابات الماوردي (سلوك المالك في تدبير الممالك، السياسة الشرعية في أحوال الراعي والرعية) ، و (فقه المقاصد) للشاطبي، و (السياسة الشرعية) للقرضاوي، وبعض الموسوعات السياسية مثل: (الموسوعة السياسية الكويتية) ، وغيرها والتي يمكن الحصول على قائمة بها من المكتبات العامة.
ولا يكفي الخطيب دراسة هذه الكتب فحسب؛ فيلزم الاطلاع على واقعه من خلال قراءة الصحف، والدراسات، والكتب التي تتناول القضايا المستجدة، وقضايا المسلمين المختلفة حتى يتسنى له الفهم الدقيق بما يعينه على تقديم فكرته وإفادة جمهوره وإقناعه.
* الخطبة والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية:
في بحث عن أثر خطبة الجمعة في مصر طبقا لموقع Islamdoor.com؛ أفاد 78 % من العينة أنهم يتأثرون دائما بما يقوله الخطيب، و71 % أنهم يلتزمون دائما بما يقوله الخطيب، وتم الاتفاق مع أحد الخطباء على أن يخطب عن الربا، وأجرى استفتاء قبل الخطبة وبعدها؛ فكانت النتيجة أن 85 % كانوا يعرفون المفهوم الصحيح للربا، وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 97 %.. و33 % كانوا يعرفون عقوبة الربا، وارتفعت إلى 94 %.. و50 % كانوا يفضلون الاستثمار في البنوك الإسلامية وارتفعت إلى 64 %.. و34 % سينصحون الآخرين بترك الربا، و31 % سيقاومون أي عمل ربوي.
وتعكس هذه النتائج دور خطبة الجمعة ليس فقط في المعالجات الإسلامية للقضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن أيضا طرح ما يستجد من هذه المشكلات، والمساهمة في حلها وفقا للمرجعية الإسلامية؛ إذ لا يمكن للمنبر أن يتخذ موقفا محايدا منها على اعتبار أن هذا يناقض وظيفة الخطبة؛ فضلا عن وجود تأثيرات سلبية خطيرة نفسيا، واجتماعيا، واقتصاديا.
والتصدي لمثل هذه المشكلات هو من صميم خطبة الجمعة؛ نظرا لأن الخطيب في هذه الحالة يقوم بفريضة (الحسبة) التي تعادل فريضة الجهاد في سبيل الله؛ فالأولى مجالها الداخل، والثانية مجالها الخارج.