فهرس الكتاب

الصفحة 2622 من 27345

إحفظ لسانك

الحمد لله الكريم الوهاب، هازم الأحزاب، ومنشئ السحاب، ومنزل الكتاب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب، الواحد الأحد، العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد والتمجيد، ليس له مثل ولا نديد، هو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، جل عن اتخاذ الصاحبة والولد، ولم يكن له كفوًا أحد، لم يزل حكيمًا قديرًا عليمًا خبيرًا، ولا يعزب عنه مثقال ذرة سبحانه وبحمده، خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فطن ذوي الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع والأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت البحار، وهو الله الواحد القهار، مغشي الليل النهار، خضع لعظمته المتعززون المتكبرون، وخشع له المترفعون، واستكان لربوبيته المتعظمون، ودان طوعًا وكرًها له الخلق أجمعون، نحمده على حَزَن الأمر وسهله، ونحمده كما حمد نفسه وكما حمده الحامدون من جميع خلقه، ونستعينه استعانة من فوَّض أمره إليه، وأقر أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، نستغفره استغفار مقرٍّ بذنبه، معترف بخطيئته، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. شهادة عبده، وابن عبده، وابن أَمَته، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته؛ إقرارًا بوحدانيته، وإخلاصَا لربوبيته، فهو العالم بما تبطنه الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شئ عنده بمقدار. وأشهد أن محمدًا عبده ونبيه ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه، أشرف من وطئ الحصى بنعله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، وجاهد في الله حق الجهاد، وقاتل أهل البغي والزيغ والعناد والفساد؛ حتى تمت كلمة الله، وقطع دابر الفساد، صلوات الله عليه وسلامه- من قائد إلى الهدى- وعلى آل بيته الطاهرين، وعلى أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم من الفقهاء والزهاد والدعاة العاملين المشمرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا آمين آمين.

إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله، صلى الله وسلم عليه وآله ومن والاه. ) { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتنَّ إلا و أنتم مسلمون) } [ آل عمران: 102 ] . ) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا) [ النساء: 1 ] .

?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا? [الأحزاب:70-71]

أما بعد: فالله تعالى أمركم ـ أيها المؤمنون ـ بتقواه وأن تقولوا قولًا سديدًا مستقيمًا عدلًا ووعدكم على ذلك إصلاح أعمالكم ومغفرة ذنوبكم.

أيها المؤمنون، إن اللسان من نعم الله الجليلة، ولطائف صنعه البديعة، به تتكلمون وتنطقون وعما في قلوبكم وأنفسكم تعربون. به يعبر الإنسان عن بغيته ويُفصح عن مشاعره، به يطلب حاجته ويدافع عن نفسه، ويعبر عن مكنون فؤاده، يحادث جليسه ويآنس رفيقه فإنه لا تعب في إطلاقه ولا مشقة في تحريكه، له في الخير مجال رحب كالذكر والشكر والكلمة الطيبة وقراءة القرآن وغير ذلك الكثير.

فإن لسان المرء مفتاح قلبه إذا هو أبدى ما يقول من الفم

وقد امتن الله به عليكم لتشكروه وتعبدوه قال تعالى: ?أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ? وقال سبحانه: ?الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان?. فبه يتمايز الكفر من الإيمان، ويفترق أولياء الرحمن عن أولياء الشيطان؛ به يبلغ العبد وارف الجنان وبه يهوي في دركات النيران؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة:"إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب". وفي رواية البخاري:"إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات في الجنة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في نار جهنم". وروى الإمام أحمد والترمذي عن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال:

قال رسول الله:"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت