فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولذلك كان علقمة رحمه الله وهو أحد رواة هذا الحديث يقول:"كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث". فكان يمتنع عن كثير من الكلام حتى لا يسجل عليه قول أو ترصد عليه كلمة من اللغو الذي لا فائدة فيه: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون [المؤمنون:1-3] .
ويقول الله عز وجل: إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق:17-18] .
في هذه الآية تذكير للمؤمنين برقابة الله عز وجل التي لا تتركه لحظة من اللحظات، ولا تغفل عنه في حال من الأحوال، فيما يصدر عنه من أقوال، وما يخرج من فمه من كلمات؛ كل قول محسوب له أو عليه، وكل كلمة مرصودة في سجل أعماله: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق:17-18] . يسجله الملكان في الدنيا ويوم القيامة ينكشف الحساب ويكون الجزاء.
فاتقوا الله عباد الله واحذروا ألسنتكم فإنها من أعظم ما يوقعكم في أسباب الهلاك واحفظوها فإن حفظها من أسباب الفوز والنجاة فقد تكفل صلى الله عليه وسلم لمن حفظ لسانه أو صان منطقه بالجنة دار السلام؛ ففي الصحيح من حديث سهل بن سعد قال: قال صلى الله عليه وسلم:"من يضمن لي مابين لحييه ومابين رجليه أضمن له الجنة". متفق عليه. وفي الترمذي أن معاذًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة، ويباعده عن النار فأخبره صلى الله عليه وسلم ببعض أبواب الخير وصنوف البر ثم قال صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبرك بملاك ذلك كله". قال معاذ: بلى يا رسول الله؛ فأخذ بلسان نفسه وقال:"كف عليك هذا". فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال:"ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم".
فاتقوا الله عباد الله واحفظوا ألسنتكم عن كل ما يغضب الله ويسخطه وقيدوها بلجام الشرع فإن حفظ اللسان وصيانته من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر قال صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، متفق عليه.
وقد أحسن من قال في التحذير من آفات اللسان:
اِحفَظ لسانَكَ أيُّها الإنسانُ *** لا يَلدغَنَّكَ إنَّه ثُعبانُ
كم في المقابِرِ من لديغِ لِسانِه *** كانت تهابُ نِزالَهُ الشُجعانُ
ولكن تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته والحذر من مصا ئده، وأصبح آلة الشيطان في استغواء الإنسان، إذا تُرك له العنان يصول ويجول، يتحدث عن فلان ويغتاب فلان، يستهزئ بهذا ويشتم هذا. وقلة هم الذين أمسكا بعنانه، ووقفوا به عن مالا يعنيهم.
وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل بها من الطاعات.
وقد أحسن الإمام الشافعي، رحمه الله، حين قال:
إذا شئت أن تحيا سليمًا من الأذى *** ودينك موفور وعرضك صيّن
لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلّك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايبًا *** فدعها وقل: يا عين للناس أعينُ
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى *** وفارق ولكن بالتي هي أحسنُ
** آفات اللسان كثيرة متنوعة، ولها في القلب حلاوة ولها بواعث من الطبع، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت أو التحرز من الكلام، ومنها: الكلام فيما لا يعني، الفحش والسب واللعن، السخرية والاستهزاء، كثرة المزاح، إفشاء السر وإخلاف الوعد والكذب، الغيبة، والنميمة، وغيرها من الآفات التي حذر الله - جل و علا- منها و أخبر أنها من الأعمال التي تحصى على ابن آدم ويحاسب عليها. والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، وحتى فضول الكلام الذي دون الضرر فإنه حسرات يوم القيامة، قال بعض السلف: يُعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات.
عبّر تعالى عن أهمية الكلمة وعظيم أثرها واستمرار نتاجها الطيب في قوله عزَّ وجلّ: (ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبةً كشجرةٍ طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكُلُها كلّ حين بإذن ربِّها، ومثل كلمةٍ خبيثةٍ كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) .
فالكلمة سكين ذو حدَّين:
إذا كانت حسنة وهادفة تنطلق من إرادة واعية ونية خير للبشر، فهي تصنع الحضارة والرقي وتبني المجتمع وتوجِّه الناس نحو الخير والبناء والصلاح.
(وهدوا إلى الطيِّب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) الحج/24.
وإذا كانت سيئة تنطلق من إرادة العبث واللهو وعدم تحمُّل المسؤولية، فهي تقضي على كل صلاح وخير، وتهدم ما تبقى من سلامة في نفوس البشر وتعيث الفساد في ربوع البلاد وبين العباد.