عمر عبيد حسنة 11/9/1423
التدافع والصراع الحضاري ، سنة من سنن الحياة الاجتماعية ، وأمر لازم لنمو الحياة وامتدادها، وتدفقها ، واستمرار التاريخ ، وابتلاءات لا بد منها ليتميز الحق من الباطل وتختبر وجهة الإنسان وصبره وكسبه ، واختياره ،قال تعالى:"كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
وقال:"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجُد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصُرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"
فالتدافع دليل الحياة ، والسبيل إلى ظهور الحق وانتصاره ، وتميزه ، وإلا لتساوى الحق والباطل، والتبست الأمور ولما تفاضل الناس ، ولكان مجرد الادعاء يكفي صاحبه دون تحمل أية تبعات . قال تعالى:"آلم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين".
فإذا كان التدافع الحضاري وتداول الأيام بين الناس ، من سنن الحياة ليتم الابتلاء ، وتظهر الحقائق ، ويختبر الناس ، وسبيلًا إلى تفاضلهم في الكسب ، ومن ثم في الأجر والثواب ، فإن اختيار العقيدة والالتزام بها ، والتحمل والتضحية في سبيلها ، يعدّ من أعلى أنواع التفاضل والاختبار ،وأبرز ساحات التدافع والصراع الحضاري ، لذلك نرى - في كثير من الأحيان - أن مجرد الاختيار يكون سبيلًا لنقمة الآخرين ، وسببًا أساسيًا في اشتعال الصراع وإلحاق الأذى ، قال تعالى:"وما نقموا منهم إلا أنه يؤمنوا بالله العزيز الحميد". فالإيمان بالله والانعتاق من العبوديات ، الذي هو أعلى درجات الخيار وأرقاها ، هو وحده سبب نقمة الآخرين .
والذي تغيب عنه هذه الحقيقة ، أو بتعبير أدق: هذه السنة الاجتماعية سوف يقف عاجزًا عن فهم أو تفسير الكثير من القضايا والمآسي التي تحيط بالمسلمين اليوم ، وتحاصرهم من كل جانب ، سواء في ذلك العالم الإسلامي أو الأقليات المسلمة في العالم ، ذلك أن الكثير من العداوات والكيود والمؤامرات التي تمارس على المسلمين ليس لها سبب مباشر إلا أنهم مؤمنون ومغايرون في عقيدتهم .
إننا لا نستطيع أن ندرك الكثير من جوانب الصراع الحضاري الذي وصل إلى مرحلة المواجهة المباشرة اليوم ، بين عالم المسلمين بحضارته وثقافته وتاريخه ، وبين حضارة الغرب المغايرة، تلك الحضارة الغازية الغالبة المستعمرة ، التي تحاول التمكين لقيمها ومعاييرها وثقافتها كبديل في العالم الإسلامي دون أن ندرك سنن التدافع الحضاري ، ونحسن التعامل معها والإفادة منها.
والذي نريد أن نقرره هنا: أن هذه السُنة أو هذا التداول الحضاري ، قد يستغرق جيلًا أو أجيالًا حتى يستكمل دورته ، ويبلغ مداه ، ويؤدي دوره كمنبه حضاري في معاودة اليقظة والنهوض لكن ذلك لا قيمة له في عمر الزمن المديد الخالد ، إذا استطاعت الأمة إدراك أبعاده، والخلوص من الغفلة واسترداد المعاني المفقودة .
وقد يكون من المفيد الإشارة السريعة إلى أدوات ووسائل الصراع التي يمارسها الغرب في العالم الإسلامي ليمكن لثقافته وغلبته الحضارية .
ولعل من أبرز الوسائل وأشدها تأثيرًا:
-إقامة ودعم الأنظمة السياسية التي تمكن للقيم الغربية دون النظر في ممارساتها وأعمالها التي تتناقض - أصلًا - مع الطروحات الغربية في الحرية ، والديمقراطية ، والمساواة، والتعددية وتداول السلطة ، بل قد يتجاوز أمر الدعم الحدود المعقولة والمقبولة ، فيتم الاتفاق مع زعامات هذه الأنظمة على شتيمة الحضارة الغربية ، وانتقاد ممارساتها حتى لا يحمل فسادها الاجتماعي واستبدادها السياسي أمام الشعوب على الغرب الداعم لها، فتسقط في عيونها قيم الحضارة الغربية .
-تخريج جيل مؤمن بالقيم الغربية ومرتهن لها ومدافع عنها ، والتمكين له في مواقع التأثير المختلفة لتشكل مرتكزات لا بد منها للإغراء بالقيم والمجتمعات الغربية من خلال استغلال المعاناة وسقوط إنسانية الإنسان التي يعيشها في بعض مناطق العالم الإسلامي.
-إشاعة صور القمع والإرهاب والاضطراب والاستبداد السياسي في العالم الإسلامي ، ومقابلته بصور الحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية التي تتمتع بها المجتمعات في الحضارة الغربية حتى لا يكون هناك أي مجال للمقارنة والخيار .
هذا المناخ الاستبدادي - إن صح التعبير - إلى جانب أنه يغري بالإيمان بالحضارة الغربية وقيمها، يكون سببًا في هروب العقول والسواعد ، وكل الطاقات الفاعلة إلى العيش في الغرب وبذلك يكون الغرب هُوَ اليدُ نفسُها التي تعمل على طرد الطاقات والعقول في العالم الإسلامي بسبب دعمه لأنظمة القمع والاستبداد ، وهي هي التي تعمل على جذب هذه الطاقات وامتصاص قدراتها في مجتمعاتها لتحيق الغلبة والتفوق العلمي .