فهرس الكتاب

الصفحة 4200 من 27345

الإصلاح وفلسفة الهجرة والاستيطان!

إبراهيم غرايبة 27/1/1425

الهجرة استثناء والأصل أن يعيش الإنسان في وطنه، وبين أهله، وتجمع الناس حول المكان في عقد اجتماعي هو أول وأهم خطوات التحضر، فالمدن هي مركز العمل العام والاجتماعي والحضاري والإبداع، ويقتضي ذلك بالضرورة أن يكون الإنسان منتميًا إلى مدينة أو تجمع حضري، فالرعاة والصيادون لا يمكن أن يؤسسوا أعمالًا ومشاريع وبرامج اجتماعية وثقافية.

والفكرة الجامعة للناس حول المكان هي أساس الدول والحضارات والعمل العام، وكانت إقامة مجتمع إسلامي أساس الدعوة الإسلامية، وسميت يثرب"المدينة"في دلالة رمزية مهمة على أن الإسلام يقوم ويعمل ويطبق أساسا في مدينة، ولا يمكن أن تكون الرسالة إلا في المدينة، فلا تنجح ولا يصح أن تكون ابتداءً في القرى الصغيرة والمراعي والتجمعات المحدودة، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينهى من يسلم من أهل البادية أن يعود إليها، ليبني مجتمعًا مدينيًا.

والناظر في كثير من آيات القرآن الكريم توجيهات الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجدها تؤسس لسلوك مدني متحضر يستوعب المكان الذي يجمع الناس.

انظر على سبيل المثال في الاستئذان عند دخول البيوت، والنهي عن رفع الصوت، والتجمل والتطيب والنظافة، والاستماع، وإشهار الزواج والشهادة عليه، وكتابة الدين، والانصراف بعد الطعام، والذوق العام، وغير ذلك كثير مما يصعب استيعابه في هذا المقام، ومما يستحق أن تفرد له دراسات عدة، فكلها تنشئ عادات وتقاليد وثقافة مكانية مدينة ومجتمعية، وضدها مما يكون عليه الناس الأجلاف البعيدون عن المدن والتجمعات السكانية، ومما عرفت العرب واعتبرته معيار (الأرستقراطية) إن صحت التسمية هي الكرم والشجاعة أو المروءة، وهي أخلاق قائمة على التجمع وحماية المكان والناس وخدمتهم والتضامن معهم، وهي في جوهرها فلسفة المكان والعلاقة به.

والإصلاح يقوم على الطبقة الوسطى في المجتمع، من المهنيين والأساتذة والتجار والأطباء والمهندسين، والطبقة الوسطى تنشأ وتعمل وتزدهر في المدن والتجمعات الحضرية، وهي التي تمنح المكان خصوصيته الثقافية والاجتماعية والعمرانية.

والمواطنة والجنسية عقد والتزام بين طرفين. الدولة والمواطن؛ وتقتضي الانتماء والمشاركة وأداء الواجبات. والمواطنة ليست عرقا أو إثنية، ولكنها تقوم على المكان، فمواطنو دولة هم الذين يتجمعون حول فكرة جامعة للدولة تقوم على أساس المواطنة والالتزام نحوها والتمتع بالحقوق والفرص التي تتيحها، فالانتماء يقوم أساسًا على المكان، والمواطنة والجنسية هي علاقة اجتماعية تنشأ مع المكان، فالسعوديون أو العراقيون أو الفلسطينيون أو الأردنيون أو اليمنيون ليسوا عرقًا أو جنسًا أو قبيلة من الناس، ولكنهم الناس الذين استوطنوا المكان وتعاقدوا على الانتماء إليه بغض النظر عن أصلهم وجنسهم، فالفلسطينيون على سبيل المثال تسمية أطلقت على الجماعات المهاجرة من جزر البحر المتوسط واستوطنت الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، ثم أطلقت التسمية على جميع الناس والسكان، الكنعانيين والآراميين والفينيقيين، والعرب، وكانت فلسطين تعني السواحل الجنوبية ومركزها عسقلان، ولكن التسمية امتدت مكانا لتشمل ما يعرف اليوم بفلسطين عام 1917، وكانت عكا قبل ذلك مركز ولاية لبنان، وكانت طبريا قصبة الأردن، ولكن تجمع الناس وتشاركهم في مصير وقضايا ومصالح وعلى مدى الزمن غيرت التسميات والأماكن.

وكانت وثيقة المدينة التي أسست للمجتمع والدولة تشمل جميع أهل المدينة، المسلمين والمشركين ممن لم يسلموا واليهود، وحددت لهم واجبات وحقوقًا بحكم كونهم جزءًا من المدينة، وأما المسلمون الذين لم يهاجروا إلى المدينة فهم ليسوا مشمولين بهذا العقد ولا يترتب عليهم التزامات ولا يتمتعون بحقوق أهل المدينة، (والذين آمنوا ولم يهاجروا فمالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) فهم ليسوا جزءًا من دولة المسلمين تشملهم ولايتها، ونصرتهم مشروطة أيضًا بعدم تعارضها مع مواثيق والتزامات دولة المسلمين (دولة المسلمين وليست الإسلامية) ، ولم يكن المسلمون من غير أهل المدينة أو الملتزمين بولايتها عليهم مشمولين بصلح الحديبية، ولذلك وجد الصحابي أبو بصير نفسه في حل من الالتزام بعدم قتال قريش ومهاجمة قوافلها.

ومن يهاجر إلى بلد ويتوطنه فإنه ملتزم بالأساس نحو هذا البلد بالانتماء والولاء بقدر ما يتمتع بالحقوق والفرص التي يمنحها، وقد يظن أنه يستطيع أن يخلَّ ببعض هذه الالتزامات لكنه يقتلع نفسه، ويحرم نفسه وأهله حق الانتماء والمشاركة، وبعض الالتزامات مجبر على أدائها بقوة القانون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت