فهرس الكتاب

الصفحة 15845 من 27345

د. إسماعيل محمد حنفي*

مقدمة:

لقد خلق الله سبحانه الخلق من أب واحد وأم واحدة لحكمة عظيمة هي ارتباطهم بالأخّوة التي تستدعي التراحم بينهم وإن تفرقت بهم السبل وتباعدت بهم الديار: ( يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خلقناكُم مِن ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شُعوبًا وقبائَل لِتعارفوا ، إنّ أكرمكُم عنَد الله أتقاكُم ) . (1) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: { من لا يرحم الناس لا يرحمه الله } (2) ، ويقول: {الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله} . (3)

ولذا فإنَّ مجتمع المسلمين يقوم على الإخاء والترابط والتراحم ، وهو أمرٌ ليس غريبًا لأنّه ينطلق من العدالة الربانية .

إنَّ هذه المعاني في صورها المتعددة لا يمكن أن تقوم وتقوى وتستقر إلاّ في ظل دولة ، وتلك الدولة تنطلق في نظمها وأحكامها من الإسلام . ذلكم أنَّ الدولة هي التي بيدها وضع النظم وتطبيقها ومحاسبة من يخالفها ، وهي التي تمسك بالموارد وتتحكم في وجوه الصرف.

والدولة فيها رعايا من مختلف الأجناس والأعراق والأديان ، وفيها الصغير والكبير ، والغني والفقير ، والصحيح والمريض ، والسليم والمعوّق الخ …

ومسئوليتها تجاه هؤلاء جميعًا ، لأنهم يعيشون فيها يقومون بواجبات ويتمتعون بحقوق في المقابل .

وفي هذه الورقة البحثية نحاول أن نتناول فئةً من فئات المجتمع المسلم تستحق - بحسب ظروفها الخاصة - رعايةً من الدولة المسلمة ، وهي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة.

حيث نتحدث أولًا عن المفهوم ، ثم نذكر تأصيلًًا شرعيًا عامًا ، ثم نوضح تحديدًا مسئولية ودور الدولة في رعاية هذه الفئة .

سائلين الله التوفيق ..

د. إسماعيل محمد حنفي الحاج

الخرطوم في 5/7/2002م

المبحث الأول

حول مفهوم ( ذوي الاحتياجات الخاصة )

تعريف ذوي الاحتياجات الخاصة ( المعاقون ) :

"هم أفراد يعانون نتيجة عوامل وراثية أو بيئية مكتسبة من قُصور القدرة على تعلُّم أو اكتساب خبراتٍ أو مهاراتٍ و أداءِ أعمالٍ يقوم بها الفرد العادي السليم المماثل لهم في العمر والخلفية الثقافية أو الاقتصادية أو الاجتماعية . (4) "

ولهذا تصبح لهم بالإضافة إلى احتياجات الفرد العادي ، احتياجات تعليمية ، نفسية ، حياتية ، مهنية ، اقتصادية ، صحية خاصة ، يلتزم المجتمع بتوفيرها لهم ؛ باعتبارهم مواطنين وبشرًا - قبل أن يكونوا معاقين - كغيرهم من أفراد المجتمع"."

وعرَّفت منظمة الصحة العالمية الإعاقة على أنها:"حالة من القصور أو الخلل في القدرات الجسدية أو الذهنية ترجع إلى عوامل وراثية أو بيئية تعيق الفرد عن تعلُّم بعض الأنشطة التي يقوم بها الفرد السليم المشابه في السِّن". (5)

وجاء كذلك أنّها:"حالةُ تَحُدُّ من مقدرة الفرد على القيام بوظيفةٍ واحدةٍ أو أكثر من الوظائف التي تعتبر من العناصر الأساسية للحياة اليومية من قبيل العناية بالذَّات أو ممارسة العلاقات الاجتماعية أو النشاطات الاقتصادية ، وذلك ضمن الحدود التي تعتبر طبيعية . (6) "

وعرَّف بعضُهم المعاق بأنّه:"الشخص الذي استقر به عائق أو أكثر . يوهِن مِن قدرتِه ويجعلُهُ في أمَسّ الحاجة إلى عونٍ خارجي" (7) . أو:"هو مَن فقد قدرته على مزاولة عمله ، أو القيام بعملٍ آخر نتيجةً لقصورٍ بدني أو جسمي أو عقلي ، سواءُ كان هذا القصور بسبب إصابته في حادثٍ أو مرضٍ أو عجزٍ ولادي". (8)

أنواع الإعاقات: (9)

1-جسمية ( بدنية ) : بفقدان جزء من أجزاء الجسم أو أكثر مما يؤثر في الحركة ، أو حدوث خلل بها ، مثل الشلل .

2-حسِّية: بفقدان حاسة من الحواس أو حدوث نقص بها ، كالصَمم والعمى .

3-ذهنية: بفقدان العقل ، أو حدوث نقص فيه ( تخلُّف عقلي ) .

4-نفسية: بحدوث آثار ظاهرة واضطرابات مثل: الانطواء ، الانفصام ، القلق .

كما لا بُدّ من ملاحظة أنّ الفرد قد يعاني من أكثر من إعاقة من تلك الإعاقات ( متعدِّد الإعاقات ) . كما أنَّ بعض الإعاقات قد تصاحبها نواحي قصورٍ أخرى . فمثلًا قد يعاني المتخلِّف عقليًا من نوعٍ أو أكثر من نواحي القصور في السمع أو الحركة أو التخاطب .. الخ ..

ومثلها حالات الشلل المخي ( C . P ) ، حيث قد يعاني بالإضافة إلى الإعاقة الحركية من صعوباتٍ في النُطق والكلام أو قصور في القدرات العقلية .

أسباب الإعاقات: (10)

1-سوء التغذية لدى الأم أو الطفل .

2-الأمراض التي تصيب الطفل أو الأم .

3-أسباب خِلْقية منذ الولادة .

4-عوامل وراثية .

5-حوادث .

6-حروب وكوارث .

7-أعمال عنف .

8-تلُّوث البيئة .

رأي حول مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة:

يلاحظ أنّ مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة لم يخرج عن كونهم أشخاصًا ابتلاهم الله تعالى بما أفقدهم شيئًا من قدراتهم أو حواسهم ، فأصبحوا معوّقين عن الحركة والعمل والكسب أو العطاء كغيرهم من الناس . ومن ثم احتاجوا إلى مزيدٍ من الرعاية والعناية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت