فهرس الكتاب

الصفحة 22493 من 27345

{أنزل من السماء ماءً فسالت أوديةً بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحقّ والباطل فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد:17]

كان من قدر الله تعالى، وفتنته لخلقه، ابتلاء لهم وامتحانا، أن يكون الزبد رابيا (أي عاليا) ، متعاظما في نفسه، منتفخا تنفّخا صوريّا، ويشمخر على غيره، مع أنّه فارغ الجوف، ساقط القيمة، لا روح له، ولا حياة، فبوضعه هذا يفتتن به أقوام، ويسرق عيونهم وأنظارهم، فيذلّون ويخضعون له، طمعا في أن يكون لهم الرفعة الظاهرة معه، ورجاء أن يعلوا بهم كما علا وربى.

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.

سورة الرعد امتلأت بذكر الآيات الكونيّة، فذكرت رفع السماء، وتسخير الشمس والقمر، ومدّ الأرض، وذكرت الجبال والأنهار، ونبّهت إ لى عظمة الله في تنوّع الخلق مع وحدة المصدر، وذلك في تنوّع الثمار مع أنّها تُسقى بماء واحد، وأقامت أمام ناظر الإ نسان شاهدي البرق والرعد فخوّفت بهما، ومنَّ الله عليه بالسحاب، وختمَتْ هذه الآيات الكونية بقوله {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد:15] .

ولمّا كان الأمر القدريّ بالتكوين والخلق، والأمر الشرعي بالنهي والحضّ هما من مصدر واحد هو الله تعالى، كان لا بدّ من تذكير الإنسان بما غاب عنه أو جهله أو عاداه بما يراه ويحسّه ويشهده، ليكون له فيه العبرة، وليكون عليه شاهدا وحجّة. فكان المثل القرآني العظيم: {أنزل من السماء ماء.. كذلك يضرب الله الأمثال} .

والمثل والأمثال:

"هي وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلي المعاني" [العقد الفريد لابن عبد ربّه،3/63] .

قال الإمام الجرجاني:"واعلم أنّ مما اتّفق العقلاء عليه: أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصليّة إلى صورته، كساها أَبَّهَة، وأكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي البلاد الأفئ‍دة صبابة وكلفا، وقسَرَ الطباع على أن تعطيها محبّة وشغفا.. وإن كان وعظا كان أشفى للصدر، وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغَيَايَة (أي الحجب) ويبصر الغاية، ويبرئ العليل ويشفي الغليل" [أسرار البلاغة،92-96] .

وهذه الآية القرآنية درّة تتلألأ، أنّى جئتها وجدّت لها نورا وضياءً، ووالله لو مثلتْ خَلْقا في هذه الدنيا لأبصرها الناس جوهرة لاشية فيها، وجهها صاف، وكذا جوفها، لها ألف وجه، تبهرك كيف جئت إليها، ومن أي الوجوه نظرت إليها. ولا أذكر أنّي وقفت في تمثّل المعاني مع أيّ كلام كما تمثّلت في هذه الآية وهذا المثال، فسبحانه ما أعظم كلامه وما أحسنه.

في الآية دليل على حكمة الربّ في خلقه، وذلك بتنوّع الخلق من أجل الفتنة والابتلاء.

وفي الآية دليل على جريان السّنن في هذه الدنيا سواء كان إسناد الفعل إلى الربّ {وأنزل} أو كان إسناد الفعل إلى الخلق {يوقدون} وفي قراءة مشهورة {توقدون} فسنّته لن تتخلّف.

وفي الآية: أنّ الخير لا يأتي بالشرّ، ولكن الشرّ هو قدر لا انفكاك لهذه الحياة عنه، ولا يتصوّر الحياة بدونه: {وأنزل من السماء ماء فاحتمل السيل زبدا رابيا} .

وفيها: أنّ هناك من المنافع للناس لا تقع على أساس الفطرة القدرية كما في أصل خلقتها، بل لا بدّ لعمل الإنسان فيها ليتحقّق له مقصوده {وممّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع} . وما حادثة تأبير النخل في زمن رسول الله? عن ذاكرتنا ببعيدة.

وفيها: أنّ وحدة الخلق تدلّ على وحدة الخالق، حتّى لو اختلف الخلق وتعدّد، فالمثل الأوّل: مائي، والثاني: ناري.

وفيها... وفيها.

ولكنّ أعظم ما فيها {كذلك يضرب الله الحقّ والباطل} .

موقع الحقّ من الباطل، وموقع الباطل من الحقّ، ومثل الحقّ مع الباطل.. ولمن الغلبة؟

الباطل هو زبد رابي: كان من قدر الله تعالى، وفتنته لخلقه، ابتلاء لهم وامتحانا، أن يكون الزبد رابيا (أي عاليا) ، متعاظما في نفسه، منتفخا تنفّخا صوريّا، ويشمخر على غيره، مع أنّه فارغ الجوف، ساقط القيمة، لا روح له، ولا حياة، فبوضعه هذا يفتتن به أقوام، ويسرق عيونهم وأنظارهم، فيذلّون ويخضعون له، طمعا في أن يكون لهم الرفعة الظاهرة معه، ورجاء أن يعلوا بهم كما علا وربى.

هذا الزبد هو حطام الشيء وفارغه، وأوساخ الأرض وقمامتها، وسقط المتاع المرذول المطروح.

هذا الزبد قشّ رخيص، ونتف الشيء الزائد، مما لا فائدة منه ولا قيمة له، زاد عن حوائج الناس فأَنِفُوا من قُنيَتِهِ فرموه في قارعة الطريق ينتظرون رحمة الله أن تخلّصهم منه.

إي والله هذا هو الباطل وهؤلاء أهله ورجاله.

ولكن أنّى للنفوس الجاهلة أن تبصر الحقائق، وتخرق بصيرتها حجب الظواهر الخادعة فتقف على حقيقة الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت