فهرس الكتاب

الصفحة 22494 من 27345

ألم يقل الناس: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم.

ما أضعف الخلق، وما أسرع سقوطهم أمام الظواهر الكاذبة.

في زماننا هذا: تعاظم الشرّ وانتفخ، وصار يملأ أماكن الأرض وزمن الحياة، وصوره تملأ أعين الناس وقلوبهم.

فالشر صار ملكا وحاكما، له سحرة يزيّنونه للناس ويملؤون قلوبهم خوفا منه ومحبّة له:

يقولون: حاكمنا -أبقى الله حاكمنا!!- لولاه ما ولدنا، فلنمت في سبيل حاكمنا. وحاكمنا -أبقى الله حاكمنا!!- لولاه ما أكلنا ولا شربنا، ولا طابت مطاعمنا، ولا ساغت مشاربنا.

وحاكمنا -أبقى الله حاكمنا!!-: هو الذي وهبنا الحرّية والكرامة.

وحاكمنا -أبقى الله حاكمنا!!-: ببركته زاد نسل نسائنا.

وحاكمنا.. وحاكمنا.. ألا لعنة الله على حاكمنا. والله ما هو إلا {زبدا رابيا} .

والباطل صار عاهرة وقوّادا: ولكنّه علا فصار بطلا ونجما، وقدوة ومثلا، يحفظ الناس سيرته، وينقبّون عن شمائله وصفاته، ويقلّدونه حذو القذّة بالقذّة.. حتّى لو نبح كالكلاب لنبح عبيده مثله.

قلّب نظرك، واسرح بفكرك: فماذا ترى أخي الغريب... إنّها فقاعات الهواء التي تزداد تنفّخا يوما بعد يوم.

ولمّا تعلّق المسلمون بهذا الزبد، تعلّقوا بحقويه ماذا آل حالهم، وكيف انتهى أمرهم،..."غثاء كغثاء السيل".

نعم: إنّهم غثاء يتعلّقون بزبد رخيص مهين، يصرخون ويرطنون: نحن الأعلى... ألسنا فوق، ألسنا في الربى تجبى إلينا ثمرات كلّ شيء، ونأكل من خيرات الأرض، بأموالنا وبترولنا وذهبنا نشتري الخيرات من أي جهة شئنا، فها نحن نركب المركوب الهيّن، ونأكل الطعام الهنيء، ونلبس اللباس الناعم. ولذلك فأنت لا ترى أقواما في جهنّم وهم يظنّون أنّهم في الجنّة كما هو حال أهل الإسلام هذه الأيّام، وهناك من السحرة"رجال إعلام، ودعاة زندقة، وعمائم شيوخ"يمارسون التزوير وإفساد العقول، فهم يصرخون ليل نهار: بلادنا بخير، وحالنا «ليس في الإمكان أبدع مما كان» ، وحاكمنا مؤمن بصير إلى مشاشه، وبلادنا آمنة، فماذا تريدون غير هذا؟!!

الحقّ هو الأبقى والأقوى:

الله عزّ وجلّ {له دعوة الحقّ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه -وما هو ببالغه- وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [الرعد:14] . وتابع الحقّ وصاحبه {وجد الله عنده فوفاه حسابه} . والله عزّ وجلّ {هو الحقّ المبين} .

من الأسباب التي تجعل أهل الجهل من الناس يُعرضون عن الحقّ ولا يتّبعوه ظنّهم أن الحقّ ضعيف، وأنّه قليل غناؤه، ومن تعلّق به لم يكن له إلا طريق الخسارة والبوار، فيستعظمون تبعة الأخذ به، والتعلّق بواجباته، ويقبلون على ما ظاهره الكثرة والقوّة، والارتفاع والعلوّ، لأنّ من جهل النفوس التعلّق بالعاجلة، والاغترار بالظاهر، وعدم الغوص إلى المعاني والحقائق الباطنة، فما هي إلا لحظات حتّى تنجلي الحقيقة فيكتشفون أنّ باطلهم لا روح له، زاهق ضعيف، وأن كثرته ما هي إلا فقاعات ماء، وتجلّى الحقّ بقوّته الهادرة يكتسح سدود الباطل كالطوفان، ويرتفع بعزّة الانتساب إلى الله تعالى، وبوفاء المؤمنين به، ويزداد قوّة بتجذّره في قلوب أهله، فلا يتخلّون عنه حتّى لو رماهم الناس عن قوس واحدة، فلا يذهب من قلوبهم حتّى يذهبوا هم إلى أجداثهم، ولا يزالون عنه حتّى تزول أرواحهم من أجسادهم، اختلط بهم وفي حشاشة قلوبهم حتّى صار منهم موضع الروح من الجسد، فهو متجذّر في صدورهم وعقولهم.

والحق سيل جارف هادر لا يعيقه شيء، إذا أقبل فهو كسيف الفجر ضياء، يفلق هامة الظلمة وينحرها، وما يملك الباطل إلا تلك المحاولة أن يغطّي النور بغرباله {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون} ..

فالحقّ هو الضياء الذي ينير الحياة، وهو الماء الذي يسقي الأرض، فتنبت خيراتها، ويحيي النفوس، ويشفي أمراضها، فالحقّ هو الذي له البقاء {وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} فلا ينبغي لأهل الحقّ أن يحتقروا شأنه، أو يستصغروا أمره لقلّة التابع وضعفه، بل عليهم أن يعتزّوا به، ويرتفعوا عن الباطل، فإنّ القليل مع الحقّ هو الكثير كما قال تعالى {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} . وقال: { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائ‍تين} ، وها هنا نقطة مهمّة لا ينبغي لأهل البصيرة إغفالها، وهي أنّ الشيطان وجنده يحاولون أن ينفخوا في مظاهرهم الكاذبة وزبدهم العالي وذلك لشغل الناس به عن طريق سِحَاليّ الإنس -أي الخطباء والبلغاء- من رجال الإعلام حتى يلتبس على أهل الحقّ حقّهم، فها أنت ترى الإعلام المقروء والمرئيّ يملأ أعين الناس وآذانهم وعقولهم وقلوبهم بالأحداث الباطلة، والتي لا قيمة لها: فموت فاجرة يشغل الناس ويملأ الدنيا، وولادة قطّة أو كلب تكون على صفحات الصحف، وتزوّج عاهر وعاهرة يدخل خبره إلى بيوت الناس وخدرهم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت