دم الجزائر فوّار بساحتها
على أثر إلغاء الانتخابات في الجزائر سنة 1992م بدأت فتنة دامية ومجازر وأشلاء وجماجم في أحداث مروّعة امتدت سنين طويلة حتى يومنا هذا .
نعيش مع الجزائر البلد الحبيب إلى قلوب المسلمين جميعًا ، وندعو الله أن يرفع عنهم البلاء وأن يهدي القلوب إلى صراط مستقيم يجمع شتات المؤمنين .
أحداث الجزائر ابتلاء وتمحيص من الله سبحانه وتعالى ، وعبرة وآيات لمن يتدبّر ، ودروس يستفيد منها المسلمون لينجوا من فتن أُخرى .
· دم الجزائر فوّار بساحتها !
بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي
اصْمِتْ ! فما عَادَ يُجْدي عِنَده الكَلِمُ
ولستُ أَدْري: عمىً أعياهُ أم صَممُ
أو غضبةٌ نَزَعَتْ من صَدْره أملًا
فجُنَّ والَتاعَ مِنْه الساحُ والقِمَمُ
أو حَسْرةٌ زَرَعَتْ غيظًا يُمورُ به
هَوْلٌ تَفَجَّرَ مِنهُ السَّهْل والأُجُمُ
أو حَيْرَةٌ في فيَافي الأَرْضِ تَاهَ بها
رُشْدٌ وضَلّتْ على أوهامِها القَدَمُ
أو ثَوْرةٌ مِنْ أسىً باتَتْ تُمزّقُه
فَقُطِّعَتْ بَيْنَ أَنيَابِ الأَسى الرَّحمُ
أو فُرْقَةٌ أوْهَتِ الآمَالَ فَانْفَرطَتْ
كُلُّ العُرَا وحبَالُ الودِّ والذِّمَمُ
فأصبَحُوا شِيَعًا شُقَّتْ ثُغُورُهُمُ
للمُجْرمين على أبوابها ازْدَحمُوا
تَبلَّدَ الحسُّ ! لا حُزْنٌ ولا فَرَحٌ
يَهُزُّه ، أو أسىً أَو نكبَةٌ عَمَمُ
ولا الأَعاصيرُ مَهْما ثَارَ ثائِرُهَا
ولا البَراكِينُ جُنّتْ عِنْدَها الحِمَمُ
ولا الزَّلازِلُ يطوي جوفُها قُلَلًا
ويخْتَفي عِنْدَها الإِعمارُ والنَّسَمُ
مَنْ ذاكَ ؟! ويحِي !أرى مِنْ حالِهِ عَجَبًا
يُخْفِيهِ عنّي ظلامُ الليل والبُهَمُ
دَمُ الجَزائرِ فوّارٌ بِسَاحَتِها
تهيجُه أُمَمٌ من بعدها أُمَمُ
يا للجَزائر ! أَهْوالٌ مُرَوِّعَةٌ
وفِتْنَةٌ في رُباها اليوم تَضْطرمُ
دَمٌ تَدفّقَ في سَاحاتِها وَجَرى
كأنّه الموجُ في السّاحاتِ يَلْتَطِمُ
دَمُ الجَزائِر ، ويْحي ، كان نورَ هُدَى
وكانَ يُشْرقُ مِنْهُ السِّهْلٌ و العَلَمُ
ورايةُ الحقِّ في سَاحَاتِها خَفَقَتْ
لله ، لا لِسواهُ ، الحَرْبُ والسَّلَمُ
أرضَ الشهادَةِ ! مازالت منائِرُها
نُوْرًا تَوَهّجَ من عَلْيائه الشّمَمُ
أَلقَتْ على السّاح مِنْ أَكبادِها فِلَذًا
تدافَعوا زُمَرًا تمضي وتَقْتَحِمُ
لله دَرُّكِ ! كم أطْلَقْتِ من بَطلٍ
فأشْرَقَتْ مِنهُمُ الأفلاكُ والنُّجمُ
ولم تَزَل قِمَمُ الأجْيَالِ مِنْ دَمِهمْ
وهّاجَةً وذرا"أوراسَ"تضطرمُ
"أوراسُ"ذكرى! وهلْ تُنَسى معاقِلهُ
وكان يَهْدُرُ مِنها سَيْلُهُ العَرِمُ
مَنْ كانَ يأوي إليْهِ منْ مطارَدَةٍ
بالله ، لا بِسواه ، كان يَعْتَصِمُ
أَرضَ الجَزَائِر ! ماذا قد دَهاكِ وما
تكادُ مِنكِ جِراحُ الأَمْس تَلْتَئِمُ
قد كُنتِ نُورًا على الآفاقِ مُنْتَشِرًا
وطلعةً بِرُؤى الآمالِ تَبْتَسِمُ
بالأَمسِ كُنِت دَمًا بالنُّور مُؤْتَلِقًا
واليومَ مِنْ دَمِك الظلماءُ تكتَتِمُ
ماذا دَهاكِ ؟ ! فأضْحى الليلُ منعقدًا
على رُباك وماجَ الشرُّ والغَمَمُ
هذي الجَرِيمةُ مَنْ يُوْري مواقِدَها
ومَنْ يُؤَجِّجُها ؟ الأَشباحُ والظُّلَمُ
ماذا أرى في سَواد الليل ؟ ! واعَجبًا
كأنّه شَبَحٌ يَدْنُوْ ويَنْهَزِمُ
يَكادُ يَطْلعُ أَحيانًا فأُنْكِرُهُ
يْحُوطُهُ في ذُهولي الشَّكُّ والتُّهَمُ
طِفلٌ تُمزَّقُ بالسِّكِّين أضْلُعُهُ
ونِسْوَةٌ بِجُنُونِ الفَأْسِ تُصْطَلمُ
النَّائِمون عَلَى أَحْلامِهمْ صُعِقُوْا
وما أَفَاقُوْا ! وغابَ العُمْرُ و الحُلُمُ
والعائِدونَ بِزادٍ مِنْ مُجَاهَدَةٍ
يَغْذُوْنَ مِنْ أنْفُسٍ في الدار تزدَحِمُ
عادُوْا فَما وَجَدوُا إِلاَّ بقيَّتَهمْ:
أشْلاؤهُمْ مِزَقٌ من حولِهمْ ودَمُ
لله دَرُّ أَبٍ كَمْ كان يدفَعُه
لزَوْجِه وبنيهِ الشَّوْقُ والجَشَمُ (1)
على يَدَيْهِ هَدَايا كَيْ يُفاجئَهُمْ
ففاجَؤوه: سُكُونُ الموتِ والعَدَمُ
تَنْهار أضْلاعُهُ ! يَهْوي على فَزعٍ
يكاد يَصْرَعُهُ مما رأى اللَّمَمُ (2)
ما بَيْنَ سَاقٍ هنا أو بين جُمْجُمةٍ
هناك ، تَلْقَى سِباقَ الموتِ يَحْتَدمُ
وذاكَ وَجْهٌ على عَيْنَيْه حَمْلقَةٌ
من الفُجاءَة ! من أَهْوالِها الألَمُ
كأَنَّه كان يَرْجو ! فانطوى أسَفًا
لما رأى لَهْفةَ الآمالِ تَنْهَزمُ
على المحيّا بقايا الشّوْقِ تَقْرؤُها
وخيبَةُ الأَمل المرجوِّ تَرتسم
دُقَّتْ رُؤوسٌ !وشُقَّ البَطْنُ وانْتُزِعَتْ
ضُلُوعُهمْ ! والأَسى باقٍ بِها يَصِمُ
وَلوْ رَايْتَ"ورُودًا"في مَلاَعِبهمْ
تَفتّحَتْ عَنْهُمُ السَّاحَاتُ والأَكَمُ
في رَوْضَةِ مِنْ رياض العِلْمِ يَحْضُنُهُمْ
شَوْقٌ ويغْذُوْهُمُ التَّحنَانُ والرَّحِمُ
كَأَنَّما فَرحَةُ الدُّنْيا بِفَرْحَتِهمْ
وطَلْعَةُ الشَّوْقِ بالآمَالِ تَبْتَسِمُ
ولهْفَةٌ مِنْ ذوات الخِدْر تصحَبُهمْ
نَدَى الحنَانِ وعِطْرُ العِلْم والنَّسَمُ (3)
مَرَّت عليهم يَدُ السفّاح دامِيَةً
عَلَى شَفَارِ الرّدى حُزَّتْ رؤوسُهُمُ