فهرس الكتاب

الصفحة 21680 من 27345

أ. د. عماد الدين خليل 21/8/1426

في الشرق الإسلامي كثيرون ممن كلفوا أنفسهم، ولعلهم كُلّفوا، بحمل أسفار المتاعب والعقد الحضارية المستعصية من عالم الغرب إلى عالم الإسلام والادعاء بأنها من صنع الإسلام.

ليس هذا فحسب، بل إنهم يضيفون إليها، وينفخون فيها من أجل تضخيمها ومنحها حجمًا أكبر من حجمها الحقيقي، مع إضافة بعض الأصباغ المحلية لكي تتحقق القناعة المطلوبة، ويعتقد السذّج من الناس بأن هذا من صنع الإسلام، أو على الأقل من صنع المسلمين والبيئة الإسلامية.

إننا نتذكر هنا - على سبيل المثال - نموذجًا من عشرات بل من مئات وألوف، تلك الصحفية المصرية المعروفة وهي ( تكافح ) لمدى يقرب من نصف القرن، من أجل تصوير المرأة الشرقية كما لو كانت تعاني من متاعب ومآس ومعضلات معقدة مستعصية متشابكة، لا تعاني المرأة الغربية عشر معشارها، بل لا تعاني منها على الإطلاق. بل إنها - المرأة الغربية - يجب أن تُتّخذ مثلًا أعلى يتحتم أن تحذو المرأة الشرقية حذوه إذا ما أرادت فعلًا تحقيق النقلة المرجوة من الجحيم إلى النعيم.

وكانت هذه الصحفيّة المثابرة التي سخّرت لمحاولتها حشدًا من الصحف والمجلات وحتى الكتاب والأدباء، تسعى إلى تغطية المحاولة والالتفاف على مراميها الحقيقية بصيغ وأساليب عدة أبرزها -ولا ريب- محاولة تعليق المعاناة القاسية للمرأة الشرقية على الرجل المسلم الجاهل، ولكنها من وراء هذا التعليق كانت تشير بإصبع الاتهام- ومن طرف خفي- إلى الإسلام نفسه، والبيئة الإسلامية التي صاغها هذا الدين.

ومضت الصحفيّة المذكورة فيما أسمته معركة تحرير المرأة إلى هدفها المرسوم دون كلل أو ملل .. عقود عديدة والصحف المصرية، وعدد من الصحف العربية تتبارى بالدعوة المترعة حماسًا، وتؤكد القول شهرًا بشهر وأسبوعًا بأسبوع ويومًا بيوم، حتى خُيّل للناس، لكثرة ما أُعيد القول ولُجّ في الطلب، أن المرأة المسلمة تعاني فعلًا من الويلات، وأنه قد آن الأوان لتخليصها -وبأسرع وقت- مما تعانيه.

ولم يكن الأمر صعبًا إذا خلصت النية وصدق العزم، فما على هذه المرأة سوى أن تنظر إلى ما تفعله أختها في عالم الغرب فتحذو حذوه، هناك حيث تستردّ سعادتها الضائعة وكرامتها الممتهنة وحقها المسلوب.

والأصوات المخلصة التي نبهت إلى خطورة اللعبة، وخبثها ، بل إلى خطئها ابتداء، كاد يُطوَى عليها، واضطر بعضها -فعلًا- إلى أن يصمت، أما أولئك الذين واصلوا المجابهة فإن الصخب والضجيج الذي أحاط بدعوى (الصحفيّة) غطّى على أصواتهم؛ فلم يعد يُعرف ما الذي تريد أن تقول.

وتدور الأيام دورتها، وتزداد قنوات الاتصال بالحياة الغربية قوة وسرعة وانتشارًا، ويعرف الشرقيون من خلال الصحف والمجلات والسينما والإذاعة والتلفاز والدراسات والأعمال الأدبية المترجمة، كم تعاني المرأة الغربية هناك، وكم تتعذب .. ويعرفون - كذلك - مقدار ماتتخبط فيه من مشاكل ومآسٍ ومنغّصات .. ثم هم يعرفون ان المرأة المسلمة، على ماتعانيه من متاعب بسبب الرجل المسلم الجاهل، لا الإسلام نفسه، إنما تحيا حالة أقرب إلى إنسانيتها، وتكوينها، ومطامحها، من شقيقتها في الغرب بما لا يقبل قياسًا!!

وتدور الأيام دورتها فاذا أصوات قادمة من الغرب، من نسوة غربيات

عالمات ومتخصصات، لامجرد دعيّات أو مهرّجات، تشير بالحرف الواحد إلى أن الهندسة الإسلامية لدور المرأة في العالم هي الهندسة الوحيدة المنسجمة بإعجاز باهر مع تكوين المرأة ومطالبها، ورغائبها الجسدية والنفسية، وأن ماعداها ليس سوى الفوضى والتخبط والضلال وأن حصيلته لن تكون سوى الشقاء الذي يلف المرأة الغربية رغم مايبدو ظاهرًا من أنها تعيش سعيدة، ولكنه ليس سوى الديكور الذي يخفي وراءه الوجه القبيح.

وتدور الأيام دورتها فإذا عالم الغرب يشهد من الوقائع والأحداث في دائرة المرأة، مايؤكد صدق هذه المقولات جميعًا، فيتجاوز نطاق الجدل إلى ساحة الرؤية المشهودة التي تحمل إقناعها المبين.

ونحن نعرف جميعًا - على سبيل المثال فحسب - ماحدث في إيطاليا. فبعد كفاح دام أكثر من عقد من الزمن قدر البرلمان الإيطالي أن ينتزع بأغلبية ساحقة حق الطلاق بالنسبة لطرفي المعادلة الزوجية: الرجل والمرأة، واعتبرت الصحف اليسارية ذلك انتصارا كبيرا لقضية الإنسان.

بينما كان (الطلاق) بالنسبة للصحفية إياها واحدًا من الأهداف التي تسترت وراءها، وظلت تصوّب عليها أعيرتها النارية دون كلل او ملل لمدى ثلاثين أو أربعين عامًا!!

ترى، ألا تزال هذه المرأة المثابرة تصر على استمرار الحرب ضد الطلاق، الذي هو بمثابة صمام أمان لما قد يصيب الحياة الزوجية من مشاكل وشروخ مستعصية، والذي لم يُمارس في عالم الإسلام، رغم حلّيته، إلا في نطاق محدود إذا ما قورن بما شهدته الساحة الغربية نفسها، بما فيه المعسكر الشيوعي، الأمر الذي تؤكده الإحصائيات التي لاتميل يمينًا أو شمالًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت