وغير الطلاق مسائل أخرى كثيرة تصورتها صاحبتنا مشاكل ومعضلات وشمّرت عن ساعد الجد سعيًا لحلها، واتخذتها أهدافًا سدّدت إليها سهامها دون كلل أو ملل، لكنها في حقيقة الأمر لاتعدو أن تكون الوضع الطبيعي الصحيح، المرسوم بعناية، والذي شذت عنه المرأة الغربية فشقيت وتعذّبت، وهاهي الصحفيّة إياها تبذل جهودًا استثنائية مضاعفة لكي تدفع المرأة المسلمة إلى الخروج من هذا الوضع أسوة بما فعلته زميلتها الغربية، مهما تكن النتائج، وبغض النظر عن المصير الذي ستؤول إليه.
فهي - مثلًا - تريد أن تحطّم حاجز القِوامة، قِوامة الرجل على المرأة في مؤسسة الأسرة .. لماذا؟
إذا كان الإسلام قد منح الزوجة من الحقوق المادية والأدبية والقانونية مالم تتمتع به امرأة في العالم .. إذا فهمنا (الحق) طبعًا على أنه قيمة إيجابية ترتبط ارتباطًا عميقًا بالنظام، وتشكل جانبًا بنائيًا في صيرورته، لا مجرد تسيّب وتفلّت وفوضى وضرب على غير هدى.
وإذا كان الإسلام قد رتّب على الزوج من الواجبات تجاه زوجته ما يمنح حقوقها تلك مزيدًا من الحصانة والضمانات .. فماذا لو منح حق قيادة مؤسسة الأسرة للرجل باعتباره أكثر قدرة على ممارسة هذه الوظيفة بحكم موقعه الاجتماعي، وربما - اللهم دون حسم أو جزم - بحكم عقلانيته وعدم استجابته المبكرة للدوافع والمؤثرات العاطفية؟!
ومعلوم أنه مامن تنظيم أو مؤسسة في حضارة مامن الحضارات إلا واختيرت لها (القيادة) المتفردة التي تعرف - بحكم كفاءتها وإمكاناتها وارتباطاتها - كيف تسوسها وتسير بها صوب النمو، وتجتاز المشاكل والعقابيل، ومعلوم كذلك أن ازدواج السلطة يعني التفكك والدمار، وهو يتمخض عن حشود من السلبيات تفوق كثيرًا مايمكن أن يتأتى عنها من إيجابيات.
الصحفيّة تأبى الإذعان لهذه البداهات وتصر على استيراد الصيغة الغربية التي تضيع فيها المرأة والرجل معًا حيث تضيع القيادة، وحيث تصبح مؤسسة الأسرة مركبًا بدون قبطان.
وماذا عن تفرغ المرأة للبيت؟ ماذا عن دورها الكبير هناك؛ الدور الواسع المتشعب الخطير الذي اعترفت به التجربة الواقعية قبل وبعد تأكيدات الأديان، والشرائع؟
إن الإسلام - طبعًا - لايرفض خروج المرأة، لايرفض توظيفها هنا أو هناك، لايقف بمواجهة الإفادة من كفاءاتها في هذه الدائرة أو تلك من دوائر الدولة أو النشاط العام ومؤسساتها، لكنه يرفض ألاّ تكون هناك ضوابط ومعايير وخرائط دقيقة تتحرك المرأة على ضوئها، فلا تهدر طاقاتها أو تضيع.
والإسلام- كما هو شأنه في كل مسائل الحياة- يرتب سلمًا للأولويات هو بمثابة ضرورة من الضرورات الاجتماعية بل الحضارية، وهو هنا بصدد وظيفة المرأة، يجعل مهمتها في مؤسسة الأسرة هي القاعدة، أو الضرورة، أو المهمة الأولى في وجودها، وبعدها تتسلسل الوظائف والمهمات، على ضوء الحاجة الاجتماعية، ووفق الظرف التاريخي الذي يعيشه شعب من الشعوب.
فعندما كانت الدولة الإسلامية الفتية تقاتل خصومها في كل مكان، عندما كانت مهمتها تعزيز مكانتها في الأرض بأيد لم تكن تكفي لتنفيذ هذا الهدف الكبير كان لابد للمرأة أن تدخل طرفًا في المعادلة، وأن تقف إلى جانب الرجل تحمل السلاح وتقاتل.
وعندما كانت الأمة الإسلامية تجابه التحديات الحضارية، بعد الفتح، وتعمل عقلها لتنفيذ قيمها العقدية في واقع الحياة، وتشكيل التيار الثقافي الذي يحمل صبغتها، كان لابد للمرأة كذلك أن تدخل طرفًا في المهمة، وأن تكتب وتحدّث وتعلّم وتتعلم .. إلى آخره ..
لم يقل أحد في الحالتين بأن المرأة خرجت عن دورها المرسوم، وأن عليها أن ترجع لكي تظل في البيت. ولكن كانت مهمتها كربة بيت .. كزوجة .. وأم .. ومربية .. هي القاعدة التي أكد عليها الإسلام، وغدت في حس المسلمين بمثابة بداهة من البداهات. وكانت المعادلة بهذه الصيغة واضحة ومقنعة، ولم يترتب عليها -كما يتوهم عشاق جلب المتاعب الحضارية أي معضلة تقتضي دراسة أو حلًا ..
وتجيء الصحفيّة المثابرة لكي تصرخ على مدى أربعين عامًا بأن على المرأة أن ترفض عبوديتها للبيت، وأن تخرج لكي تحقق أنوثتها وحريتها وتكسب حقها المهدور دون أن تدرك - هذه الصحفيّة - أو لعلها تدرك وتتعمد التجاهل، أن أنوثة المرأة لن تتحقق إلا من خلال وظيفتها الأساسية كزوجة وأم ومربية، وإلا من خلال كونها طرفًا في معادلة الحياة والتخلق، تلك التي تضم الرجل والمرأة والأطفال، منذ كان هنالك تقابل بين الرجل والمرأة من أجل استمرار الحياة.
ومسألة التحجب، كانت هي الأخرى الساحة التي قدمت فيها صاحبتنا فنونًا من الإثارة بالكلمة الحادة التي تجرح وتدمي، وبالصورة التي تكاد الأحرف فيها تصرخ حتى تبح أصواتها.