فهرس الكتاب

الصفحة 25819 من 27345

هل المرأة إنسان؟

د.محمد بن صالح الدحيم (*) 28/5/1423

من النادر أن نجد قضية اختلفت فيها وجهات النظر بمثل ما اختلفت وتعددت في قضية المرأة، هذه القضية التي تعددت فيها التشريعات ووجهات نظر المفكرين والدعاة على مر العصور حتى وصل التعدد إلى مستوى التناقض والاختلاف الجذري الذي لا إمكان معه للقاء أو الاتفاق أو التقارب.

وقد أغرى هذا التعدد كثيرًا ممن لم تتهيأ لهم ظروف المعرفة والقدرة على الاجتهاد الصحيح في مثل هذه القضية الخطرة فقالوا وسودوا بمقالاتهم صحائف كثيرة لا يجد فيها القارئ المحقق سوى جهالات كبيرة ومركبة ، وشذرات مبتورة من حقائق غير كاملة عرفت شيئًا لكن غاب عنها أشياء كثيرة ولا عجب في هذا التعدد والاختلاف وكثرة القول والقيل فإن قضية المرأة إنما تعاني الجزء الأكبر من العمران البشري في حاضرة ومستقبله فأوضاع المرأة تؤثر بالسلب والإيجاب على كافة أوضاع العمران البشري فهي لا تعيش منفردة فيه .

لقد مر على معظم البيئات الإسلامية قرونًا متطاولة من التهميش للمرأة في أنشطة محدودة وقوالب معينة وتحت وصيات مشددة - دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا - لا تتناسب إطلاقًا مع حجم الطاقات والقدرات والإمكانات التي منحها الله للمرأة في ظل الإسلام بكماله وشموله، فنحن - بحمد الله- الأمة الوحيدة التي حفظ الله لها اتجاهها العام وأهدافها الكبرى بما أذن لها من خلود الرسالة ولكن تقلب الأيام والليالي وبعد العهد وطول الأمد وطروء الحوادث وامتزاج الثقافات وتنوع الظروف - كل ذلك - أدى إلى غبش في الرؤية واختلاط العادات بالعبادات وتقديس الموروثات الآبائية حتى نسبت إلى الدين ومورست تحت هذا المسمى وضرب بالسياط مخالفها ورمى بالتبديع مناقشها مهددًا بـ (السيف المشهور) حتى ضعف الإحساس بالهدف أو غاب، والنتيجة الحتمية لذلك أن الأمة اليوم أًصبحت تواجه ضغوطات كبيرة من الخارج يقابلها خواء من الداخل مما أدى لسهولة الاستعمار الفكري والسلوكي في الوقت الذي كنا مرابطين فيه على حراسة الحدود. فقد تكشفت الأقنعة وأصبح بإمكان كل أحد أن يصافح المعرفة ويتواصل مع الحقيقة فإذا هو يفاجأ بأن كثيرًا مما كان يملى عليه بكرة وأصيلًا ما هو إلا رؤى مذهبية في أحسن أحوالها سيقت على أنها نصوص معصومة .

مما أدى إلى ردة فعل بنفس القوة لكن بعكس الاتجاه وأخطر ما يكون الحال حين تقل الثقة أو تضعف المصداقية ونحن في عصر معلوماتي لا يرحم الكسالى ولا يعتذر للغافلين.

إن من ينظر إلى وضعية المرأة في كثير من البلدان الإسلامية يجد أنها ضعيفة التركيب هشة البناء ( دينيًا وثقافيًا واجتماعيًا) الأمر الذي جعل جهات عديدة تستهدف المرأة فدعت إلى سفورها واختلاطها بالرجال في حال مزرية من التحلل من الحياء ونبذ الفضيلة، ووجدت من المرأة ترحيبًا، إما لأنها انخدعت به أو لأنها تهرب إليها من مأساتها، ففقدت المرأة توازنها.

والحق أن ثمة جهودًا كبيرة أنفقت في الرد على تلك الحملات حتى طغى بعضها وجاوز الوسط. الأمر الذي شغلنا عن تنمية المرأة المسلمة ، ولو أننا رجعنا إلى ما كتبناه وسجلناه في قضايا المرأة لوجدنا أن نحوًا من 80% من مؤلفاتنا ومحاضراتنا ودروسنا وفتاوينا تدور حول مسألة الحجاب، ولوجدنا أن نحوًا من 20% منها يتحدث عن ترشيد المرأة وعلى استحياء في بعض الأحيان، وكان المطلوب هو العكس.

( ما هكذا يا سعد تورد الإبل) وما هكذا تحرس الفضيلة ، وإننا إذا أردنا إنصاف المسألة ورغبنا في إحقاق الحق فلن نجد سوى هدي القرآن والسنة في أجلى صفاء وأجمل بهاء. وما لم نستطع ذلك فإننا نكرس التخلف ونعمق الخلل ( وسوف تسألون) .

إن الوحي المعظم ينظر إلى المرأة على أنها إنسان وهذا هو سر المسألة الأكبر ومفتاحها الأوحد، وعليه فإن أي نظرة أخرى غير هدي الوحي فإنها لا تهدي سواء السبيل بل تضل ضلالًا بعيدًا . لقد فهم الصحابة - رضي الله عنهم - وهم من شاهدوا التنزيل- هذا الفهم القويم. ففي صحيح مسلم عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها - أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما كان يوم من ذلك والجارية تمشطني فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أيها الناس فقلت للجارية: استأخري عني ، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"إني لكم فرط على الحوض .."الحديث .

بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرحب بالمرأة، ففي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"مرحبًا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت