د.فهد بن سعد الزايدي الجهني (*) 25/2/1426
إن أخطر مجالٍ يتحدث فيه متحدث أو يكتب فيه كاتب هو مجال التحليل والتحريم في دين الله والقول على الله ؛أو بمعنى آخر هو مجال الفتوى في شرع الله، ولعظم الفتوى وخطورتها كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله (فقد تولاها الله بنفسه قال الله:"ويستفتونك قل الله يفتيكم"ثم تولاها رسوله صلى الله عليه وسلم ثم صحابته...)
وإن الحديث في مسائل العلم والفقه يحتاج إلى التأهيل الشرعي الذي ُيمَكن صاحبَه من الخوض فيها، فإذا توفرت هذه المقدمة وهي شرطُ صحةٍ للدخول في مسائل العلم ،فإن المتحدث أو الكاتب (وحديثي في أهل العلم فقط) يحتاج إلى كثيرٍ من الدقة في عباراته ،وقبل ذلك التجرد والتحرر من كل مؤثرٍ نفسي أو ضغطٍ خارجي،ولا يُناقش ويُرجح ويختار إلا من خلال القواعد العلمية المعتبرة فقط!
ومما يلاحظ مما قد يغيب عن بعض المشتغلين بالدعوة والفتوى سدد الله خطاهم على طرق الحق؛ عدم الانتباه أو الغفلة عن بعض الفروقات العلمية الدقيقة التي بينها"علماء أصول الفقه"في حديثهم عن الاجتهاد والفتوى وأحكامهما، ومن ذلك:
اعتقاد أن المسائل التي لا يجوز مخالفتها أو أحداث قول جديد فيها؛هي (المسائل القطعية أو ما تُعورف حديثًا عليها بالثوابت) وماعدا ذلك من المسائل فإنه يجوز إحداث قول جديد فيها،وبناءً على هذا"التأصيل"فكُل مسألةٍ من مسائل الشرع إذا لم يتوفر فيها صفة القطعيات والثوابت فتجوز المخالفة فيها!دون الانتباه للتفريق بين المسائل الاجتهادية أو الخلافية التي لم يدل عليها دليل صريح صحيح يبين الراجح ويرفع الخلاف، وبين المسائل الخلافية التي اختلف فيها العلماء؛ لكن وجد نصٌ أو نصوصٌ صريحة تدل على صحة أحد الأقوال فيها، أو حُكي الإجماع فيها ونقله
الأئمة في كتبهم المعتمدة.فهل تستويان؟
قلت:وهذا محل لبسٍ عند كثيرين، فتأمل!
وقد بيَّنَ الإمامُ ابن القيم وغيُره من العلماء كالإمام الشوكاني رحم الله الجميع،محل اللَبس ،قال ابن القيم رحمه الله ( وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد،كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم ) ! ثم بيَّن وجلَّى وجه الصواب؛ قال: (والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فسوغ فيها - إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به - الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها) .
!ذًا: هناك مسائل اجتهادية بان فيه القول الراجح الأقرب للسنة المدلل عليه بنصٍ صحيح صريح، أو حَكى الإجماع فيها غير واحدٍ من أعلام الأمة الذين لنقلهم للإجماع مكانته وثقله!كالأئمة ابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة وقبلهم الإمام الشافعي رحم الله الجميع. ثم ذكر أمثلةً لمسائل وقع فيها الخلاف بين أهل العلم ،إلا أن جمهور العلماء رجحوا قولًا ما تيقنوا صحته بالنظر للأدلة المعتبرة ،ومن هذه الأمثلة قوله رحمه الله ( والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف؛وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير مثل: كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن ربا الفضل حرام، والمتعة حرام،وأن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن المسح على الخفين جائز...)
فهل نقول: أن الحامل تعتد أبعد الأجلين، وأن ربا الفضل حلال،ونكاح المتعة حلال، والمسح على الخفين غير جائز !!لورود الخلاف في هذه المسائل أو لأنها ليست من الثوابت؟؟
سؤال عريض ليسمح لي فضيلة الداعية والعالم المعروف الشيخ د. يوسف القرضاوي -حفظه الله- أن أوجَهَهُ إليه، رغبةً في الفائدة والمناقشة العلمية المبنية على التقدير؛ والرغبة للوصول للحق.
فالشيخ الجليل صرح - كما نشر منسوبًا إليه في ملحق الرسالة في 26/11/1425هـ من أن مسألة (دية المرأة في القتل الخطأ ) ليست من الثوابت،ولم يثبت فيها إجماع، لذلك لا مانع من الاجتهاد فيها،والوصول لقول جديد وهو: أن دية المرأة تساوي دية الرجل!
وحديثي منصبٌ على التأصيل - وهو المهم - لا على التفريع ،فهذه المسألة أعرضها كنموذج فقط،لأنها متفرعة على هذا الأصل الذي صدر عنه الشيخ حفظه الله.
فهل يطلق الشيخ هذا الكلام على عواهنه؟ أم يُقيدهُ وَيجعلهُ أكثر دقةً وعلمية ؟ وإلا لزم منه ما سبق أن ذكرته سابقًا من الخروج بأقوال شاذةٍ ومهجورة،بحجة أن هذه المسائل ليست من الثوابت! فهو تأصيل غريب يحتاج مِن مثلهِ حفظه الله لضبطٍ وإعادة نظر ، وفق الله الجميع للحق.