فهرس الكتاب

الصفحة 19008 من 27345

ولا مانع من أن نميل على هذا الفرع الفقهي بشيء من الإيضاح بالقدر الذي يخدم المقصد من هذه المشاركة ،فهذه المسألة خلافية ولكن جمهور أئمة المذاهب وأصحابهم بل وصحابة رسول الله كما نقل ذلك غير واحدٍ من الأئمة ،متفقون على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، في دية النفس،أما الجراح فهي كالرجل كما أشار إليه غير واحدٍ من العلماء.

بل حكى ونقل الإجماع على هذا القول أئمة الإسلام ،وفي مقدمتهم الإمام الكبير الشافعي رحمه الله!حيث نص في"الأم"على ذلك، فقال في فصل"دية المرأة": (لا أعلم مخالفًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا في أن دية المرأة نصف دية الرجل ...إلى أن قال(مبينًا مستند الإجماع لما سئل عنه ) فإن قال قائل: فهل في دية المرأة سوى ما وصفت من الإجماع أمرٌ متقدم -يعني عمل للسلف- ..ثم ذكر الخبر ..) الأم (6/137) ، ونقل الإجماع الإمام الفقيه ابن قدامة المقدسي في موسوعة الفقهية العظيمة (المغني) حيث قال ما نصه (قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل) وذكر القول الآخر ونسبة لابن علية والأصم ووصفه بأنه (قول شاذ!) وبين وجه شذوذه بقوله ( وهذا قولٌ شاذ ،لمخالفته إجماع الصحابة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ..ثم ساق مستند الإجماع..) أنظر المغني (12/56)

وكذلك الإمام الفقيه المفسر القرطبي المالكي في تفسيره، حيث قال: ( وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل) تفسير القرطبي (3/92) وانظر كذلك: التشريع الجنائي الإسلامي للدكتور الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله (2/182) فقد قرر ما عليه الجمهور.

فهل يُعقل أن يكون هذا الإجماعُ المشهور من غير مستند؟ كما قال فضيلة الشيخ القرضاوي! ولو كان كذلك للزم منه:أن هؤلاء الأئمة دلسوا على الأمة! وحاشاهم والله؛ ما علمنا عليهم من سوء!

وقد أورد أئمة الحديث والفقه آثارًا بأسانيد صحيحة تنص على فتوى الصحابةٍ وجَريان عملهم على هذا الأمر وقد أمُرِنا باتباع هديهم ، أنظر: إرواء الغليل للمحدث الألباني رحمه الله (7/306) .

ومع هذه النقولات من أئمة العلم والفتوى والحديث، فإن طبيعة المسألة تستوجب من الفقيه -مهما كان قدره- أن يناقش هذه الإجماعات مناقشةً علميةً أصولية ً متأنيةً دقيقة ، لا أن ينفي وجودها ويُهون من شأنها!! فإذا كان هذا شأن العلماء الكبار من الذين يقتدي الناس بهم، فكيف الحال مع صغار الطلبة ؟ وكيف نشدد عليهم باحترام العلماء وفقههم وترجيحاتهم ناهيك عن إجماعاتهم، ثم لا يفاجأون بمن يطرح

هذه كله جانبًا ولا يعول عليه ولا يقدره قدره !!

أما تمسك به الشيخ حفظه الله من عموم الآية وأن لفظ مؤمن نكرة في سياق الشرط فتعم،فالتوجيه صحيح ونسلم به؛ ولكن النتيجة ليست في محل النزاع! فلا نزاع في أن من قتل امرأة عمدًا أنه يقتص منه، ومن قتلها خطأً فعليه الدية، ولكن الخلاف في"مقدار الدية"وليس في وجوبها! والسياق القرآني في آية القتل الخطأ في سورة النساء؛ نبه عددٌ من المحققين إلى أن فيه إشارةٌ إلى قول الجمهور، حيث قال الإمام الجصاص الحنفي رحمه الله؛ في تعليقه على قوله تعالى:"وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله": (أن دية المرأة لا يطلق عليها اسم الدية وإنما يتناولها الاسم مقيدًا، ألا ترى أنه يقال دية المرأة نصف الدية، وإطلاق اسم الدية إنما يقع في المتعارف المعتاد وهو كمالها) أحكام القرآن (2/336) وهو توجيه دقيق يستحق الاعتبار ولا شك. فتأمّل.

أما ما ذكره بعض من تحدثوا في المسألة نفسها وفي العدد نفسه من الملحق، من أن الظروف تغيرت ولجنة حقوق الإنسان لا تفرق بين المرأة والرجل !

فالسؤال الذي يجب أن يجعله كلُ متحدثٍ في الشرع نصب عينيه: متى كانت رغبات البشر وأهواؤهم التي لا يمكن انضباطها، ومتى كانت التنظيمات واللجان العالمية!

مناطًا شرعيًا تناط به الفتوى وتبنى عليه الأحكام الشرعية؟؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيم !وأين العلم والفقه والنظر المجرد من كل هوى وضغوط؟ وبماذا سيجيب ربهُ غدًا إذا وقف بين يديه للسؤال والحساب!ما أضعف المسؤول وما أعظم السائل...!

وإن اعتبار المآل ومراعاة الحال له قدْرهُ وتأثيره في"الفتوى"ولكن ليس على حساب الدليل الشرعي والقواعد الشرعية المعتبرة! وإلا لضاعت أحكام الدين واندرست معالمه!

ومما جاء عن فقهاء الأمة المعاصرين وفقهم الله في مجمع الفقه الإسلامي بجدة في دورته الحادية عشرة في باب ضبط الفتوى ما نصه: (يجب الحذر من الفتاوى التي لا تستند إلى أصلٍ شرعي، ولا تعتمد على أدلة معتبرةٍ شرعًا، وإنما تستند إلى مصلحةٍ موهومةٍ ملغاةٍ شرعًا نابعة من الأهواء والتأثر بالظروف والأحوال والأعراف المخالفة لمبادئ وأحكام الشريعة ومقاصدها، وأيضًا: مراعاة المتصدرين للفتيا لضوابط الإفتاء التي بينها العلماء...) وهو كلامٌ في غاية التحرير والضبط، فتأمل وقارِن !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت