فهرس الكتاب

الصفحة 14785 من 27345

يتناول الدرس شرح وتفصيل الغاية التي خلق من أجلها الإنسان ألا وهي العبادة مبنًا معناها واستعمالاتها في القرآن وأصناف الناس فيها وحقيقتها كما فهمها أهل التوحيد مبينا الضوابط الأساسية لفهم العبادة ومقاصد وصور العبادة وكذلك الضوابط في العبودية والعمل وطرح سؤالين مهمين وأجاب عليهما وختم بمراتب العبادة .

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [56] مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [57] إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [58] 'سورة الذاريات'. ولأهمية استقرار هذه حقيقة العبادة في نفس المؤمن؛ لابد من تفصيلها؛ لأنها غاية الحياة، ولأنها المبدأ الأول الذي أنزل الله كتبه، وبعث رسله لدعوة الناس إليه، وتذكيرهم به إذا نسوه أو ضلّوا عنه، ولكشف التحريف الذي صرف هذه الكلمة عن مدلولاتها وحقيقتها .. والله الموفق .

المعنى اللغوي للعبادة: العبودة، والعبودية، والعبدية تعني الخضوع والتذلل والطاعة، أي استسلام المرء وانقياده انقيادًا لا مقاومة له، ولا عدول عنه، ولا عصيان له.

استعمال كلمة العبادة في القرآن: كلمة العبادة وردت فيه-غالبًا- بمعانٍ ثلاثة:

المعنى الأول: الطاعة مع الخضوع، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [5] { 'سورة الفاتحة' وقوله تعالى:} يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [172] 'سورة البقرة' .

المعنى الثاني: التأله والتنسك، كقوله تعالى: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي [66] { 'سورة غافر'. وقوله تعالى:} بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [41] 'سورة سبأ'.

المعنى الثالث: اتخاذ الرجل عبدًا أو مملوكًا، ومعاملته معاملة العبد قال تعالى:وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [22] 'سورة الشعراء'. فمن الظاهر أنه ليست دعوة القرآن إلا أن تكون العبودية، والطاعة، والتأله، كل أولئك خالصًا لوجه الله تعالى، ومن ثَمَّ فإن حصر معاني كلمة 'العبادة' في معنى بعينه حصر لدعوة القرآن في معانٍ ضيقة، ومن نتائجه المحتومة أنّ من آمن بدين الله وهو يتصور دعوة القرآن هذا التصور الضيق المحدود؛ فإنه لن يتبع تعاليمه إلا اتباعًا ناقصًا محدودًا.

المعنى الشرعي للعبادة:

أولًا: هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرًا ونهيًا، وتحليلًا وتحريمًا، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله .

ثانيًا: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يحب الله؛ لأن العبادة المأمور بها تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له.

ثالثًا: التوجه إلى الله بكل عمل ابتغاء مرضاته وثوابه حتى تتميز العادة عن العبادة ففرق بين الإمساك عن الأكل والشرب؛ وقاية من الأمراض، أو لعدم القدرة على الأكل، وبين الإمساك عن الأكل والشرب والشهوات؛ احتسابًا لله عز وجل .

رابعًا: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، وأمثال ذلك، هي من العبادات لله.

أصناف الناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها وغايتها:

الصنف الأول: الذين ينفون 'الحكمة والمقصود والغاية' من العبادة، ويردون الأمر بها لمحض مشيئة الله بلا سبب إلا لمجرد الأمر بها، من غير أن تكون سببًا لسعادة في الدنيا والآخرة في نفسها.

وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها ولا يتنعمون بها، ولهذا يسمونها 'تكاليف'.

الصنف الثاني: يثبتون نوعًا من الحكمة والتعليل والغاية للعبادة، ولكن يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته، فعندهم: أن العبادات شرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير.

الصنف الثالث: الذين زعموا أن فائدة العبادة: رياضة النفوس، وإعدادها لتلقي العلم، والتجرد من العيوب، ولتخلصها من آفاتها.

الصنف الرابع: وهم العارفون بالله وحكمته في أمره، وشرعه وخلقه، وأهل البصائر في عبادته، وغايتها.

فالأصناف الثلاثة محجوبون عن فهم حقيقة العبادة بما ران عليهم من الشبه الباطلة والقواعد الفاسدة، والعقول القاصرة، وعدم الاهتداء بنور النبوة والوحي. وطائفة أهل التوحيد والفهم لدين الله يعرفون معنى العبادة على حقيقتها وغايتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت