فهرس الكتاب

الصفحة 16622 من 27345

بقلم ماجد بن عائض الجعيد

"...إن تجاوز هذا الاختناق الفكري يتطلب تجاوز النظرة الجزئية - لواقع متداخل ومتكامل - إلى محاولةِ إحداث تكامل معرفي بين المعارف الثاوية في النصوص الشرعية والمعارف الكامنة في الواقع المشهود ..."

إن الاختلافات الفكرية التي تميز النشاطات النظرية والقرارات العلمية في دائرتي الخطاب والاجتماع تعود في جلّها إلى اختلاف النزعات النفسية والالتزامات المعيارية للمفكر والباحث ، بهذه العدسة كنتُ أراقب المساجلة الفكرية بين د. محمد الأحمري ود.لطف الله خوجه منذ لحظاتها الأولى في ديوانية آل مختار ، وكنتُ أزور الحديث في نفسي ثم أرجعُ النظر فيه فأفضلُ التزام الصمت وارحل ! بيد أن الحوار بدأ يأخذ أبعادًا أخرى لذا أحببت أن أسهم فيه ولو بنصيبٍ بخسٍ ، وأرمي مع الرامين وإن كنتُ لم أقرطس ، فكانت هذه النقاط من وحي هذه المساجلة:

-هذا الحوار الإسلامي الداخلي قد كشف عن ساق ، وأبان أن ثمة أزمة في الحوار بين فصائل العمل الإسلامي وقراءاته المتعددة داخل الإطار المرجعي الواحد ، فإذا كان الخلاف موجود مابقيت روحٌ في جسد ، وكان الطالب لضده قد كلف نفسه بما لايقدر عليه أحد ، فهل نصادم هذه الفطرة ؟ أم نصارع أقدار الحق بالحق للحق ؟

إننا اليوم نشهد نقطة نهاية تاريخٍ ما ساده التعصب المذهبي حد الترف ، ونعيش ولادة تاريخٍ جديد ترسم ملامحه الجماعات والعقول التي تتحرك بالإسلام والتي أسهبت كثيرًا في الحديث عن (فقه الخلاف) نظريًا بينما الواقع في تجلياته يشهد خلاف ذلك ، لذا أليس من الجدير بأولوياتنا أن تسعى إلى (النضوج الفكري) من خلال ماتقرأه العقول ، لاسيما و مآخذنا تتنوع فيما يسوغ فيه الخلاف ، أليس من أولوياتنا أن نمارس فقه الخلاف على أرض الواقع بدل التدافع على سم الخياط ؟

-نعاني في تعاملنا اليوم مع واقعنا (المركب) من المنهجية الاسقاطية والتي تهتم بالاتساق الداخلي لرؤيتها بينما تكتفي باستقراءات بسيطة للواقع الاجتماعي لذا تبنت بعض الرؤى المنهج الاسقاطي في تعاملها مع الواقع الإجتماعي وتحليلها لشروط التغيير ، فربما كان حديث أصحاب هذا الاتجاه عن جانبٍ من جوانب النظرية الاسلامية حديثًا متصلًا بواقع اجتماعي لم يوجد بعد أو وجد في فترة زمكانية ماضية ، وعليه فإن هذه الأفكار تعطينا عددًا من التوجيهات القيمة وإن كانت في الواقع لم تقدم لنا حلولًا حقيقية ، وذلك لأن الحلول التي توحي بها إلينا هذه الأفكار لن تصادف في عقولنا العنصر الذي يكملها ضمنًا ، والذي قد تجده تلقائيًا في عصر ما ، لذا لايمكن أن نستورد واقعًا مثاليًا بكافة تفصيلاته دون أن نقدم لهذه النتيجة بمقدمات ربما كانت (أهون الشرين) ، والحق يقال أن المنهجية الاسقاطية هذه قد حققت قدرًا كبيرًا من التواصل مع النظرية الإسلامية لكنها كانت على حساب فهم حدود الممكن والواجب والمستحيل الاجتماعي ، وبالتالي أدت هذه الرؤية التجزيئية إلى فقدان القدرة على التنظير لفعلٍ تاريخي يعيد ربط التصور الإسلامي بالحياة الإجتماعية .

-إن النظرية الإسلامية وهي تتصف بشمولها وصلاحيتها فليس مفهوم ذلك أنها تقدم نصوصًا جامدة أو قوالب جاهزة لواقع متغير ، ففي مسألة (الدولة الإسلامية) - مثلًا - جاءت النظرية الإسلامية في جملة أحكامها بقواعد عامة وأصولٍ كلية تختلف تطبيقاتها باختلاف تحقيق مناطاتها في الواقع الاجتماعي والتاريخي ، فشمول الشريعة ومرونتها ثنائية تشكل مبدأ الصلاحية لكل زمان ومكان .

وجملة القول:

أننا نخطئ كثيرًا حين نعتقد أن الاجتهاد السياسي والاجتماعي يستمد من النص فقط بل إن النص الشرعي في جوهره يمثل تفاعلًا إيجابيا ومنظمًا بين الفكرة والعقيدة والواقع ، وأن مرونتها تتم عبر"التحرك به وسط الواقع والبيئة والمتغيرات والمحدودات الكثيرة والممتدة والمتجددة".

إن تجاوز هذا الاختناق الفكري يتطلب تجاوز النظرة الجزئية - لواقع متداخل ومتكامل - إلى محاولةِ إحداث تكامل معرفي بين المعارف الثاوية في النصوص الشرعية والمعارف الكامنة في الواقع المشهود ، وبطبيعة الأمر فإن التكامل المعرفي الذي نؤكد على ضرورته لاينفي النظر التخصصي بل يتطلبه نظرًا لمحدوديات العقلية الفردية ، فهل نجعل من خلافنا هذا طريقًا لاتفاقنا ونسير على بساطٍ من الموضوعية والتجرد لتأسيس علاقة تكاملية بين قوة النظرية وتماسكها الداخلي وبين عمق الدراسة للواقع الاجتماعي وإحياء طرائق الاستدلال الاستقرائي للواقع لنحصد بإذن الله رؤيةً تجمع بين كليات الوحي والوجود في منظومة علميةٍ تكاملية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت