فهرس الكتاب

الصفحة 19871 من 27345

فن الاستيعاب في حياة الداعية ...

على رأس قائمة ما يأخذه غالب الإسلاميين على الأنظمة السياسية: عدم استيعابها للآخر عمومًا، وللإسلامي خصوصًا، إلا أن الطرائق الأخرى تطرح سؤالًا على الإسلاميين نصه: ما موقفكم من الآخر تصورًا وحكمًا ومعاملة إنسانية؟ وعند تسلمكم الحكم كيف ستتعاملون مع المتردد، وغير المقتنع، والمنافق، والمخالف، بل المحارب؟

إن الواقع يؤكد ما يأخذه البعض على بعض العاملين للإسلام في الواقع المعاصر من عدم قدرتهم على تحقيق معنى الاستيعاب، وإن اعتنى به بعضهم، وأظهر تبنيه لمفهومه، إلا أن واقعه يقول بغير ذلك، ويتمثل ذلك في مواقف عدة منها:

أولًا: سوء التعامل مع غير المسلم بدءًا من الدعاء عليه، والحكم بخلوده في النار وشتمه، وإلحاق كل المعايب به.

ثانيًا: رفض العصاة لأنهم ـ كما يزعمون ـ حطب جهنم، وسبب البلاء والوباء.

ثالثًا: رفض طرائق العمل الإسلامي الأخرى برغم إسلامية الجميع.

رابعًا: رفض من ابتعد وترك جماعته إلى جماعة أخرى أو انضم إلى قافلة"بدون"فيصفونه بالمتساقط، وهي كلمة قاسية من أصل سقط يسقط فهو ساقط حتى إنهم يعتبرونه شذَّ في النار، استنادًا لقوله ص:"يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار" (رواه الترمذي: 3093) .

والمستقرئ لسيرة الرسول ص يقف على فنون للاستيعاب منها:

1 ـ استيعابه لشاب رغب في الحصول على إذن بممارسة الفاحشة، فقد روى أبو أمامة ـ رضي الله عنه ـ أن فتى شابًا أتى النبي ص فقال:"يا رسول الله ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه، فقال: أدنه، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبون لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصّن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء" (رواه أحمد: 21185) .

2 ـ استيعابه ص للناس وفق طباعهم وإفرازاتها، فقد روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال:"إن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ص: دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء، فإنما بُعثتُم مُيسّرين ولم تُبعثوا معسرين" (البخاري: 5663) .

وفي رواية:"فقام إليَّ ـ بأبي وأمي ـ فلم يؤنب ولم يسب فقال: إن المسجد لا يُبال فيه وإنما بُني لذكر الله وللصلاة" (ابن ماجة 522) .

3 ـ استيعابه للتابع المخطئ ممن يشفع له تاريخه الناصع، فعن علي ـ رضي الله عنه ـ قال:"بعثني النبي والزبير فقال: ائتوا روضة كذا وتجدون بها امرأة أعطاها حاطب كتابًا، فأتينا الروضة، فقلنا: الكتاب، قالت: لم يعطني، فقلنا: لتخرجن أو لأجردنك، فأخرجت الكتاب من حجزتها، فأرسل إلى حاطب فقال: لا تعجل والله ما كفرت ولا ازددت للإسلام إلا حبًا، ولم يكن أحد من أصحابك إلا وله بمكة من يدفع الله به عن أهله وماله، ولم يكن لي أحد فأحببت أن أتخذ عندهم يدًا، فصدقه النبي ص ، قال عمر: دعني أضرب عنقه قد نافق، فقال: ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ماشئتم" (البخاري 2851) .

4 ـ استيعابه المنافق المظهر إسلامه، فعن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن عبد الله بن أبيّ بن سلول قال:"أتداعوا علينا، لئن رجعنا المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث، فقال النبي ص: لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه" (البخاري: 3257) .

5 ـ استيعابه لاختلاف أصحابه في فهم مراده، فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال النبي ص:"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي فلم يعنف واحدًا منهم" (البخاري: 3810) .

6 ـ استيعاب الصحابة بعضهم لبعض عند تباين مواقفهم، فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال:"كنا نغزو مع رسول الله في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن" (مسلم: 1883) .

7 ـ توجيه الله عز وجل للداعي باستيعاب المدعو وإن كان على شاكلة فرعون برغم علم الله بموته على الكفر إلا أنه تعالى قال: اذهبا إلى"فرعون إنه طغى" (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" (44) (طه) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت