8 ـ استيعابه للتائبة وإن زنت، وذلك لما أرادت الغامدية أن تتطهر من إثمها فاعترفت للرسول ص مبدية رغبتها في إقامة الحد وأقيم عليها:"فيقبل خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله ص سبه إياها فقال: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفِر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت".
وفي رواية:"فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت، فقال: لقد تابت توبة لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم" (مسلم: 3208، 3209) .
9 ـ استيعابه لغير المسلم، فقد صالح الرسول أهل نجران وكان من المصالحة كما يروي ابن عباس:"ألا تُهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يُفتنوا عن دينهم" (أبو داود: 3644) .
والأمثلة من النصوص الشرعية كثيرة جدًا تؤكد كلها مبدأ استيعاب الآخر، ذلك أن المجتمع الإسلامي ككل مجتمعات الدنيا فيه التباين، فترى فيه المسلم الصالح المصلح، وفيه الفاسد وفيه غير المسلم، وفيه من أهل الفرق الضالة، وفيه المنافق المعلوم النفاق وغيره المتواري.
ولقد استوعب الرسول ص كل هؤلاء وهو في موقف قوة، فكيف بالبعض الذي لا يُحسن استيعابًا وهو الضعيف؟
ولا يعني ما سبق تمييع الثوابت، ذلك أن الكافر كافر تنطبق عليه الأحكام الواردة فيه، كما لا نوافق العصاة على معاصيهم، إلا أنَّا نسعى ـ في الوقت نفسه ـ جادين لإصلاح الفاسد، وتقريب البعيد، وتبليغ الرسالة للكافر وغيره، ونجادل ولكن بالتي هي أحسن كما أمر الرب سبحانه وتعالى، ونستمع إلى الرأي الآخر، ونتمثل قول أئمتنا:"كلامي صواب يحتمل الخطأ وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب"، و"اختلاف الرأي لا يُفسد للود قضية"، بما أنه فيما يجوز الاختلاف فيه.
وكما قال الشيخ رشيد رضا:"نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، ونستوعب الآخر وإن تمادى في عصيانه امتثالًا لقوله تعالى: ولا تيأسوا من روح الله (يوسف: 87) ، ولقوله: قالوا معذرة إلى"ربكم ولعلهم يتقون 164 (الأعراف) ."