الرِّبا بين النهج الرباني والنهج العلماني
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
من أكثر القضايا التي تعددت فيها الفتاوى في واقعنا المعاصر هي قضيّة الربا. والرّبا أشدّ ما حرّمه الإسلام نصًّا في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة. فلا يحقّ أن يقف المسلم من هذه القضيّة ومن الفتاوى التي صدرت لها موقف الحائر التائه، إلا إذا غلبه الجهل بالكتاب والسنّة، وضعف الإيمان وغلب الهوى !
ولقد رافق اضطراب التصوّر لهذه القضية اضطراب التصوّر لقضايا أخرى كثيرة في واقع المسلمين اليوم. ولقد كشف عن هذا تعدُّد الفتاوى والآراء، وتعدُّد الأسس التي يَعتمد عليها هذا الرأي أو ذاك، واشتراك مستويات متعدِّدة في إصدار الرأي.
ومما ساعد على ذلك الاضطراب والتعدُّدِ أنّ الواقع لم يعد يَفرض على كل صاحب رأي أن يُتْبِع رأيه بالحجّة والبيّنة من الكتاب والسنّة دون أي تأويل فاسد، ومن الواقع الذي يُفْهَم من خلال الكتاب والسنة. لذلك أصبح من السهل إطلاق الآراء متفلّتة من هنا أو هناك، ما دامت الحجة والبيّنة غير مطلوبة، وما دام الرأي يقاس بالهوى والرغبة أحيانًا، وبالتصوّر البشري للمصلحة، وبضغط الواقع.
لقد أصبح تارك الصلاة حرًّا، وتارك الصوم حرًّا، وترى بعض النساء في كثير من الأقطار في العالم يخرجن كما يشاء لهنّ الهوى دون حشمة في اللباس، مع تبرّج وكشف للزينة، وإثارة للشهوات. وأصبح بعض الرجال المنتسبين إلى الإسلام يشربون الخمر جهارًا دونما حرج في حماية القانون.
خلاصة ذلك أن حدود الإسلام أصبحت تُنْتهك بصورة علنية، وأنَّ الفسق أصبح يُجْهَر به من الرجل والمرأة سَواءً بسواءٍ.
نظرة عاجلة في العالم الإسلامي تكشف لنا كيف أنّ عُرا الإسلام قد نُقضت عروةً فعروة، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فعن أبي أمامة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:
( لتُنقَضَنَّ عُرا الإسلام عُرْوةً عُرْوةً، فكلّما انتقضت عُرْوةً تشبّث النَّاس بالتي تليها، فأولهنّ نقضًا الحكم وآخرهنّ الصلاة ) [ رواه أحمد وابن حبان والحاكم ] (1)
في هذه الأجواء، حيث امتدت الديمقراطية والعلمانية بنظامها الرأسمالي، وحيث سيطر النظام الرأسمالي الربوي على معظم أنحاء العالم، أو جميعه، تُدعمه القوى العسكرية والإعلامية والفكرية العلمانية، وتدعمه حركات التنصير التي كانت في كثير من الأحيان ممهدة للزحف العسكري المعتدي، وتدعمه الشركات التجارية التي تجعل نشاطها كذلك ممهدًا للغزو الإجرامي الظالم، وتدعمه القوى اليهودية ومؤسساتها، في هذه الأجواء صدرت الفتاوى المتعددة المتضاربة حول البنوك وعملها، وحول الفائدة الربوية وحكمها، وحول كلّ ما يتعلّق بذلك من قضايا.
لا نشكّ لحظة في أنّ"اليهود"كانوا من بين أهم القوى التي ساهمت في بناء النظام الاقتصادي الرأسمالي الربوي، كما كانوا هم بناة النظام الربوي في التعامل الاقتصادي في الجزيرة العربية قبل أن يلغي الإسلام هذا النظام كلّه ويُحرّمه تحريمًا شديدًا.
ولقد بدأ النهي عن الربا والتحريم في العهد المكّي بقوله سبحانه وتعالى:
( وما أتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون )
[ الروم: 39]
ثمّ أخذ بعد ذلك يسيطر على النشاط الاقتصادي الذي حلّ بكلّ مقوّماته في التعامل الاقتصادي بين المسلمين محلّ النظام الربوي اليهودي حتى إذا استقرّ الحكم للإسلام، وأصبحت كلمة الله هي العليا، وشرع الله هو الأعلى، أكّد رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع حرمة الربا في خطبته في عرفة بعد أن زالت الشمس وأتى بطن الوادي، وقد اجتمع حوله أكثر من مئة وأربعة وعشرون ألفًا من الناس، فقام فيهم خطيبًا، فقال في جملة ما قال:
( …إنّ دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كلُّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ وكان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل ـ وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنّه موضوع كله …..) (2)
إذًا، كان هناك نهجٌ وخطة يدفَعُها الإسلام ويبنيها الإيمان في رعاية الوحي المتنزّل من السماء على النبوة الخاتمة. لقد كان هناك نهج رباني أُنزل ليمتدّ مع الزمن، وليمتدّ في الأرض، لا ليتوقف أو يتراجع.
أنزل الله هذه الرسالة رسالة كاملة، اكتملت مع حجة الوداع، لتحملها أمة الإسلام أمانة في عنقها حتى قيام الساعة، لتطبّقها كلّها لا جزءً منها. لتُحِلّ الحلال وتُحرّم الحرام وتقيم شرع الله في جميع شؤون الحياة.
وجاء تحريم الربا في الكتاب والسنة تحريمًا قاطعًا، أشدّ ما في الإسلام من تحريم، جاء تحريمًا بيّنًا جليًّا حتى ييسّر الله لعباده اجتناب الحرام.