فهرس الكتاب

الصفحة 27209 من 27345

يا شباب ...

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ورفع الله به رؤوسنا وكانت مخفوضة، وشرح به صدورنا وكانت ضيقة، وأسمع به آذاننا وكانت صماً، وبصَّر به عيوننا وكانت عمياً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

إن أمة بلا إيمان قطيع من البهائم، ومدرسة بلا إيمان ثكنة متهدّمة خاوية، وقلباً بلا إيمان كتلة من لحم ميتة، وأستاذاً بلا إيمان جثمان هامد لا حراك فيه، وكتاباً بلا إيمان أوراق مصففة، وخطبة بلا إيمان كلام ملفف.

فما هو الإيمان؟

يقول - سبحانه وتعالى-:"أوَ مَن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كَمَن مثله في الظلمات ليسَ بخارج منها" (الأنعام: الآية 122) .

كانت هذه الأمة قبل الإسلام، أمة لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً، أمة بلا حضارة أو تقدم، أو تاريخ أو ثقافة.

فلما بعث الله فينا هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ابتعثنا من جديد:"هو الذي بعث في الأمِّيين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويُزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" (الجمعة: الآية 2) .

ولما حصر مفهوم الإيمان في مسائل ضيقة أصبح الجيل كما ترون إلا من رحم ربي-.

قالوا: الإيمان معناه: أن تصلي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.

والإيمان: أن تغتسل من الجنابة.

والإيمان: أن تتوضأ.

والإيمان: أن تضحي يوم الأضحى، وأن تحج وأن تعتمر.

ثم تركوا السلوك والأدبيات في شخصية المسلم، فلم يتعرضوا لها.

تركوا البيوت، والمجتمعات تخوض في المحرمات، وكأن لا علاقة للإيمان فيهما.

وهذا من أكبر الخطأ والخلل، لأنه لا تأثير للإيمان، إذا كان مجرد طقوس تعبدية فحسب.

فما وجدت الأغنية الماجنة في المجتمع المسلم، وأبعد القرآن من البيت إلا خرج الإيمان من القلوب.

وما دخلت المجلة الخليعة إلى البيوت إلا يوم اضمحل الإيمان في القلوب.

وما جلس مع رفقة السوء، وأهديت السجائر في الجلسات، وقضيت الليالي الحمراء في السهرات، وكثر الذهاب والإياب فيما يغضب الواحد الأحد، وما خولفت سنته - صلى الله عليه وسلم - إلا يوم ضعف الإيمان في القلب.

فالحل الوحيد لجميع مشكلاتنا هو: الإيمان.

والإيمان معناه: أن تكون مؤمناً بالله خلال يومك وليلك، وفي قيامك وقعودك، وحلّك وترحالك.

الإيمان بالله هو: أن يكون الله رقيباً عليك في حركاتك وسكناتك.

الإيمان بالله: أن تجلس على الكرسي، وأن تستمع للكلمة وللدرس، وقد سلمت قلبك للحي القيوم.

والإيمان مستويات:

فمثلاً: المدير في مدرسته أو معهده واجبه أن يكون مؤمناً بالله، وأن يرعى هذه الرعية برعاية الله - عز وجل -، وألا يقطع حبله من الله - عز وجل -، يقول - صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (1) ، وهذا الجيل أمانة في عنقه، إما أن يهديهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإما أن يتركهم يتردون في النار على وجوههم، نعوذ بالله من ذلك.

وهذه هي الأمانة:"إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً" (الأحزاب: الآية 72) .

وأمانة الأستاذ: أن يأتي من بيته صباحاً، وأكبر قضية يحملها في ذهنه، هي: قضية الإيمان، وكيف ينقله إلى قلوب طلابه.

ويعلم أنه وراث محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه خليفة له، وأن المسلمين قد وضعوا أبناءهم أمانة بين يديه، وقد أخرجوا فلذات أكبادهم، وطرحوا قلوبهم، ووجناتهم، ومقلهم، وقالوا: يا عبد الله، اتق الله في أبنائنا.

وليس معنى الإيمان: أنه إذا درس التوحيد أن يكون موحداً، وإذا درس التاريخ أن يكون مؤرخاً، وإذا درس الجغرافيا أن يكون جغرافيّاً.

لا.. إن هذه المواد إذا لم تربط بحبل الإيمان، فإن الله سوف يسأل هذا المعلم عنها يوم القيامة.

إن الإيمان لا بد أن يكون في الدرس وفي المحاضرة، وفي الندوة، وفي الكلمة، بربط جميع جزئيات ما يتحدث عنه بالإيمان بالله، وبقدرته، وبعظمته - سبحانه وتعالى-.

حتى ينشأ الجيل مؤمناً موحداً.

وأما الطلاب والشباب المتعلم فواجباتهم أربع:

أولها وأعظمها: رقابة الله في هذا العلم، وأن تأتي بلهف وشوق وحرص إليه، ونحمد الله - عز وجل - على أن شرّفنا وجعلنا طلبة علم، ثم نسأله - سبحانه وتعالى- دائماً وأبداً أن يفتح علينا من فتوحاته.

وأعظم الفتوحات التي يفتحها الله عليك: أن يجعلك عبداً له.

ولقد رأينا وأبصرنا شباباً ضيعوا الله، فضيعهم الله في الحياة، وسوف يضيعون إن لم يتوبوا في الآخرة.

فهم لما ضيعوا الله في الاستقامة، ضاعوا في الدراسة، وضاعوا في المناهج، وضاعوا في المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت