د.عثمان قدري مكانسي
العبد مفرد ، جمعه عباد وعبيد...
فإذا أضيف الجمع إلى الله تعالى ناله الشرف فاستُعمل الجمع"عباد"كقوله تعالى: أن أدوا إليَ عبادَ الله .... يشرب بها عباد الله .... وعباد الرحمن الذي يمشون على الأرض هونًا ...
-وقد يضاف إلى الله تعالى بلفظ الضمير الدال عليه: ... وأدخلني برحمتك في عبادك اصالحين ... فوجد عبدًا من عبادنا... وهو القاهر فوق عباده ... وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ..
-وقد يحذف الضمير المضاف إليه"الياء":... فبشر عبادِ... يا عبادِ لا خوف عليكم اليوم...
-وقد يستعمل هذا الجمع معرفًا ، والمقصود به البشر حميعًا . وقد استعمل معرفًا ب"الـ"مرة واحدة في القرآن الكريم ... والله رؤوف بالعباد ...
وقد يضاف الجمع"عباد"إلى ضمير البشر: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم.
أما الجمع"العبيد"فقد قصد به الذين ظلموا وأشركوا وأساءوا إلى أنفسهم حصرًا. وذكر في القرآن خمس مرات فقط . مثاله"وما ربك بظلام للعبيد".
أما كلمة"عباد الرحمن"فقد ذكرت في القرآن الكريم مرة واحدة ، في الآية الثالثة والستين من سورة الفرقان . فمن هم عباد الرحمن وما صفاتهم ؟
-قبل أن نبدأ الحديث عنهم نريد أن ننبه إلى أن جذر كلمتي"الرحمن والرحيم"هو -رحم - ومع ذلك فإن كل واحدة تمتاز بسمات خاصة ، وهذا من جمال اللغة العربية وروعتها ، ولهذا مدح الله تعالى هذه اللغة مرات عديدة في كتابه الكريم .
فالرحيم: كلمة تدل على اللطف والرحمة ، والعطف والغفران ، والسماح والصفح .. ونجدها في كل الآيات الداعية إلى الإيمان والاستغفار والتوبة ، ترد مع الحلم والمغفرة والعفو ومثال ذلك في الآيات التالية:
فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم
فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم
أولئك يرجون رحمة الله ، والله غفور رحيم
واستغفروا ربكم ، ثم توبوا إليه ، إن ربي رحيم ودود
إن ربكم لرؤوف رحيم
والرحمن: كلمة تدل على القوة والعظمة ، والقدرة والقهر ، والسيطرة والهيمنة . ونجدها ترد مع العذاب وتهديد العاصي والمشرك وتهديد الكافر ، وترد مع الدعوة إلى الإيما بالرحمن والسجود له و.. مثال ذلك:
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا
إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب
ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيّضْ له شيطانًا فهو له قرين
أمّن هذا الذي ينصركم من دون الرحمن ؟
قل: هو الرحمن آمنا به ، وعليه توكلنا .
وقد تردان معاُ لتدلان على الأمر كله:
إنه من سليمان ، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم
وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم
والملاحظ أن الصفتين حين تجتمعان ترى كلمة الرحمن قبل كلمة الرحيم . فهو الذي يفعل ما يشاء ويقدر عليه ولا يحتاج لأحد ( هو الصمد) ، وهو رحيم بعباده حين يقبلون عليه سبحانه .
صفات عباد الرحمن:
1-الذين يمشون على الأرض هونًا، والهَون بفتح الهاء غير الهُون بضمها .. فأما مضمومة الهاء فمعناها الذل والهوان ، والمؤمنون أعزاء كرام لا يتصفون بذلك . إنما المقصود بالحديث"الهَوْنُ"وهي تحتمل معاني كثيرة - كما قال المفسرون من تواضع للناس و رحمة بهم بعيدًا عن الكبر والطغيان ، يعلمون أن من له بداية لا بد أن تكون له نهاية ، ومن كان عبدًا لله أطاعه وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه ، وكان مثالًا للرجل المهذب والمؤمن التقي الذي يكره التعالي على غيره لأنه داعية يحمل مبادئ سامية يعمل بها ويدعو إليها .
ومن مشى مشية المتكبر المتجبر في الدنيا قُصم ظهره في الآخرة ووطئه الناس احتقارًا ، ولماذا يختال الإنسان في مشيته و"أوله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو بينهما يحمل العَذَرَةَ ؟!"ولوسألنا أنفسنا: لِمَ ذكرت الأرض والإنسان لا يمشي إلا عليها؟ فال جواب أن هذا تنبيه إلى أننا منها خلقنا ، وإليها نعود ، ومنها نبعث . فعلام التكبر والتفاخر؟! ألم ينهَنا المولى تعالى أن نتهادى في سيرنا تعاظمًا كاذبًا في قوله سبحانه"ولا تمشِ في الأرض مَرَحًا ، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا". وما ألطف قول الشاعر المعرّي:
خفف الوطء ، ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا ، وإن قَدُم العهد هَوانُ الآباء والأجداد
سِرْ إنِ اسطَعْتَ في الهواء رويدا لا اختيالًا على رفات العباد
وهل يستحسن الإنسان أن يتعاظم على ذرات الأسلاف من آباء وأجداد؟! وسيكون إن عاجلًا أو آجلًا ذرة تراب يدوسها الأحفاد .
ولا يظنّنّ أحد أن هذه دعوة إلى التماوُت في الحركة والبطء في التنقل والبلادة في العمل فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك ، وكان في سيره يتقلع كأنما يتحدّر من صَبَب ، وكان سريع المشي واسع الخطوات .. إنه صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخُيَلاء والكِبر .