فهرس الكتاب

الصفحة 4114 من 27345

سهاد عكيلة

مديرة تحرير مجلة منبر الداعيات

حتى نعود بالمسلمين إلى إسلامهم لا بد أن نتماشى مع متطلَّبات العصر الحديث، ومع ما تفرضه علينا سياسة الأمر الواقع )) ، (( وحتى يفهمنا الغرب يجب أن نتحدث إليهم بلغتهم ) (( وحتى نواكِب عجَلة التطوّر ينبغي أن نكون على مستوى التحديات التي تواجهنا ) )...

طروحاتٌ قد تُفهم ضمن إطارها العام في سياق التطور الإنساني وخصوصية كل عصر وضرورات الانفتاح العالمي. إلا أن مضامين تلك التوجُّهات وما ينتج عنها من ممارسات تدعونا للتوقف عند مُرادات مروِّجيها من إطلاقها.

فمتطلَّبات العصر الحديث، وسياسة الأمر الواقع، ومواكبة عجَلة التطور... كلها مصطلحات تعكس قناعات تولَّدت عند قسم كبير ممن يروِّج لها، تعني تطويع الدين بما يتناسب مع ثقافة العالم الجديد وحتمية انفتاح المجتمعات على بعضها حتى لا تتصادم الأحكام الشرعية مع الثقافة السائدة، مما يؤخر عملية الاندماج فيما يسمى بالقرية الكونية. تنظِّر لهذه الثقافة أقلامٌ إما مأجورة أو مدفوعة بتأثر المغلوب بثقافة الغالب.

قسم آخر يتبنى تلك المصطلحات بدعوى العودة بالمسلمين إلى إسلامهم وتحبيبهم في تطبيق أحكامه الشرعية ولو بالحدِّ الأدنى، وهم من أجل ذلك يعملون على جذب شريحة الشباب خاصة عن طريق تقديم (الإسلام المودِرن) كما يُقال، جاعلين من الشريعة أحكامًا مطّاطية تناسب جميع القياسات والأذواق.

يتجلى ذلك في نوعية الخطاب الإسلامي الذي يتم تسويقه إعلاميًا، بل هناك الكثير من الأحكام الشرعية والمفاهيم الإسلامية تُقدَّم للناس مشوَّهة أو محرّفة، ومع ذلك تقدَّم على أنها الصورة الأمثل للإسلام.

ولو أخذنا مثالًا على ذلك حجاب المرأة المعروض على الفضائيات ذات المسحة الإسلامية لوجدنا أنّ ما نشاهده أشبه بمهرجان تحتشد فيه الألوان البرّاقة والأشكال الجذّابة لدرجة تدفعنا لطرح تساؤل: أيُّهما أقرب للسَّمت الإسلامي الموافق لحكم الشرع: محجبة تضيف إلى وجهها ولباسها إضافات فاقعة من الزينة؟ أم محجبة تلتزم بأمر الله: (ولا يُبْدين زينَتَهنّ) ؟ وسؤالٌ آخر يفرض نفسه: ما هي الحكمة من الحجاب؟

وفي هذا السياق دار نقاشٌ على الهاتف بيني وبين فتاة محجَّبة حديثًاُ، تناولنا خلاله مسألة مواصفات الحجاب الشرعي ومدى تَمثُّل الإعلاميات ذوات (الحجاب المودِرن) بهذه المواصفات. صاحبتي ترى بأنه حتى نحبِّب النساء بالحجاب لا بأس من الظهور بهذا المظهر الجميل، وبأننا لا نستطيع أن نرتدي حجابًا كالذي كانت ترتديه الصحابيات ومَن بعدهن، لأن ذلك لا يتماشى مع عصرنا، كما أن الحجاب لا يتقبله المجتمع حتى الآن، والمحجبة محاربة في مكان عملها، وفي المجتمع... فأوضحتُ لها ما سأبيِّنه الآن من أن أحكام الشرع قسمان: قسم لا يتغير ولا يتبدل وليس قابل للتعديل، والله تعالى يقول: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتمَمتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دينا) ، وقسم يتطور بتقدم العصر وهو الأدوات والوسائل، ومواكبتنا للعصر الحديث تعني أن نستخدم في حياتنا ومشاريعنا وعمارتنا للأرض وممارستنا للدعوة إلى الله كل وسائل وأدوات هذا العصر من تطوُّر تكنولوجي، فلا نقول مثلًا لا نستخدم في تنقلاتنا ووسائل اتصالنا مع من حولنا السيارة والطائرة والجوّال والإنترنت... لأنها لم تكن على عهد رسول الله، فهذا هو التخلُّف بعينه، إذ لو كانت على عهده صلى الله عليه وسلم لاستخدمها الاستخدام الذي يُرضي الله ويخدم الدعوة ويتقدم بالبشرية في عمارة الأرض؛ فهو صلى الله عليه وسلم ما كان لينبذ معارف الكون ونِتاج العقول وأدوات البيئة، بدليل أنه كان صلى الله عليه وسلم يستعمل المتوفر في بيئته مما لا يحرِّمه الإسلام. إذًا نحن مأمورون باستخدام جميع الوسائل التي تُعيننا على تبليغ دين الله وعمارة الأرض بما يُرضي الله ويحقق مقاصد الشريعة.

وعليه فإننا لسنا مطالَبين بتبديل الدين حتى نُرضي الأذواق، بل إن من واجبنا عرض أحكام الشرع بأمانة كما أنزلها الله وكما بيّنها رسوله، ثم نترك للناس حرية الاختيار، وكلٌّ محاسبٌ على خياره، وغاية دورنا هنا أن نبلِّغ دين الله وننشر أحكام شريعته، وأن نكون حكماء في أسلوب عرض الإسلام ومنهجية الدعوة.

إذًا الله تعبَّدنا بتطويع الوسائل لا بترقيع الأحكام الشرعية. وإذا كان هناك مَن ينتهج نهجَ الغِلظة والفظاظة في تبليغ الدين فالخلل يكمن في أسلوبه وممارسته وليس في المنهج الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت