أ.د/
جابر قميحة
ليس هناك أبلغ من الخطباء والشعراء إلا «التاريخ» لأن كلمة الشاعر والخطيب تختلف قيمة ومصداقية - باختلاف اللغات, واختلاف الفكر والثقافة والمشاعر عند المبدع والمتلقي. أما كلمة التاريخ فواحدة, وواقعية, وحاسمة» لأنها تقدم الدليل الثابت, والبرهان الذي لا ستطيع منصف أن ينكره. وهذه هي بلاغة الحال التي تتفوق علي بلاغة المقال.وتأسيسًا علي هذا الحكم نقول: إن حضارة الغرب حضارة عدوانية وحشية, نفعية, تقيم بناءها ومصالحها علي حساب استنزاف الأمم, وتخريب الدول, وتدمير الشعوب: أوطانًا, وعقائد, وأفكارًا, وثقافات.
حضارة إنسانية أصيلة
وعلي النقيض عاشت الحضارة الإسلامية.. حضارة إنسانية تؤدي رسالة البناء والتعمير والتنوير.. وهذا الحكم علي الحضارتين لا تعصب فيه, ولا انحياز, ولا إسراف, ولا شطط أنه حكم التاريخ ببلاغة واقعية حاسمة فائقة.. لا تعرف التزييف والتزوير.
وما بالك بدين يجعل من أساسيات «دستور الحرب» الانتصار للقيم الإنسانية, والتحلي بأخلاق الفروسية» في صورتها المثلي, فيحرم علي الجندي المسلم المقاتل: أن يخون, أو يغدر, أو يغل (ينهب) , أو يمثل بالجثث, أو يقتل الأطفال والنساء والشيوخ, أو الرهبان المنقطعين للعبادة, أو البهائم والحيوانات, ويحرم عليه التخريب بقطع النخل والشجر, وحرق البيوت والمنازل والمحلات, وعليه أن يطيع الله في السر والعلن. والسراء والضراء.
إنها توجيهات النبي صلي الله عليه وسلم وخلفائه للقادة والجيوش المسيرة لقتال أعداء الإسلام والأمة. وقد أخذ المسلمون أنفسهم بها في حروبهم, وفتوحاتهم, وتعاملهم مع الآخرين. بينما عاش الغرب علي العدوان الذي لم يتوقف علي مدار التاريخ مذابح وحشية00ونهب00وتخريب والأمثلة الدالة علي صدق هذا الحكم أكثر من أن تحصي, ونكتفي منها بمثال واحد في هذا المقام. وهو ما ارتكبه الصليبيون من جرائم عندما سقطت القدس في أيديهم في أواخر شعبان من سنة 492هـ. يقول ابن الأثير في كتابه «الكامل» : «... وركب الناس السيف, ولبث الفرنج في البلدة أسبوعًا, يقتلون فيه المسلمين, وقتلوا في المسجد الأقصى ما يزيد علي سبعين ألفًا, منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبّادهم, وزهَّادهم ممن فارق الأوطان, وجاور بذلك الموضع الشريف.. وأخذوا من عند الصخرة نيًّفا وأربعين قنديلًا من الفضة, وزن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم, وأخذوا تنورًا من فضة وزنه أربعون رطلا بالشامي, وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلًا, ومن الذهب نيّفا وعشرين قنديلًا, وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء..."."
ومن أغرب ما ذكره ابن الأثير أن القسيسين من الصليبيين أخذوا يقتطعون قطعًا من صخرة الأقصى «ويبيعونها للفرنج الواردين إليهم من داخل البحر للزيارة, يشترون بوزنها ذهبًا رجاء بركتها, وكان أحدهم إذا دخل بلاده باليسير منها بني له كنيسة, ويجعل في مذبحها..."فما قام به الصيبيون يمثل عدوانًا وحشيًا دمويًا سافرًا, ولم يكن حرب مواجهة بين جيشين, لقد قتلوا سبعين ألف مسلم داخل المسجد منهم خيرة الأئمة والعلماء, وغرباء جاءوا من بلادهم لتلقي العلم والبركة, ونهبوا محتويات المسجد ودور العبادة والمدارس, وأموال الناس, واقتطعوا مساحات واسعة من حرم الأقصى, وبنوا فيها مساكن ومخازن وراحات."
الفتح العظيم
وبعد هذه المأساة بواحد وتسعين عامًا هزم صلاح الدين الأيوبي جيوش الصليبيين في حطين هزيمة نكراء, وفرّ عشرات الآلاف منهم إلي القدس حتي اجتمع منهم داخل أسوارها قرابة ستين ألفًا, وعقدو لواء القيادة لفارسهم «باليان ده إيبالين» , وهو من الذين فروا من حطين, وأمده البطريرك الصليبي في القدس بما تحتاجه الحرب, وبما يرضيه ويثريه, حتي لقد جمع له سبائك الذهب والفضة, وزينة الكنائس, ولم يستثن من ذلك ما زينت به الكنائس من ذهب وفضة, وجواهر.
وفي سنة 583هـ - بعد انتصاره المبين في حطين - زحف صلاح الدين إلي بيت المقدس, وحاصرها, ونصب «المجانيق» (قاذفات الصخور) خارجها.. وبدأ النقّابون ينقبون أسوارها (أي يفتحون ثغرات في الأسوار بالمعاول) , فعلا صراخ الرجال وبكاء النساء والأطفال من الصليبيين داخل المدينة, وألقي كثير من الرجال السلاح خوفًا ورهبة. فاتفق رأيهم علي طلب الأمان من صلاح الدين, وتسليم بيت المقدس, واستشار صلاح الدين أصحابه, فأجمعوا علي إجابتهم للأمان, وعقدت اتفاقية تسليم المدينة يوم الجمعة 27 من رجب 583هـ. إنسانية الفاتحين000
وظهرت إنسانية صلاح الدين في التعامل مع الصليبيين في مظاهر وسلوكيات متعددة من أهمها: