من صفات الله سبحانه وتعالى التي قررها في كتابه ، وأكد عليها في آيات كثيرة صفة العدل ، فالله عز وجل حرَّم الظلم على نفسه ، وحرَّمه على عباده ، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } ( النساء:40 )
ويوم القيامة يتجلى هذا العدل الإلهي في أجلى صوره وأبهى حلله ، ومن تلك الصور التي يتجلى فيها عدل الله سبحانه معاملته لأولئك الذين ماتوا ولمّا تبلغهم دعوة الرسل ، سواء ماتوا قبل بعثة الرسل وهم المسمون"أهل الفترة"، أو حال دون معرفتهم بدعوة الرسل عيب خَلْقيٌ ، كالصمم والجنون ، فهؤلاء لا يدخلهم الله الجنة لقصور أعمالهم عن دخولها ، ولا يدخلهم النار لعدم قيام الحجة عليهم ، بل يختبرهم سبحانه يوم القيامة فيأمرهم بدخول النار فمن أطاع كانت عليه بردًا وسلامًا ، وأدخل الجنة ، ومن عصى سحب إليها ، والدليل على ما ذكرنا ما رواه الإمام أحمد عن الأسود بن سريع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أربعة يحتجون يوم القيامة ، رجلٌ أصم لا يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا ، وأما الأحمق فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، .. فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا ) وفي رواية: ( فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها ) .
فهذا هو حال من مات ولما تبلغه دعوة الإسلام ، يختبر في الآخرة ، كما اختبر غيره في الدنيا ، فمن امتثل وأطاع كان من أهل الجنة ، ومن أبى وعصى كان من أهل النار ، جزاء وفاقًا ، وليس أمام الإنسان عند تأمل هذا الحكم الإلهي إلا أن يسلم بعظيم حكمته سبحانه ، ويقرَّ بكمال عدله ، فلم يظلم سبحانه هؤلاء فيدخلهم النار ، لكونهم معذورين بعدم قيام الحجة عليهم ، ولم يدخلهم الجنة لكون الجنة لا تدخلها إلا نفس مؤمنة ، فجعل سبحانه الآخرة في حقهم دار ابتلاء ، لينجو من يطيعه ، ويهلك من يعصيه ، نسأل المولى عز وجل أن يحيينا على الإسلام وأن يميتنا على الإسلام ، حتى نلقاه وهو راضٍ عنا ، والحمد لله رب العالمين .