كمال أتاتورك وإسقاط الخلافة الإسلامية
الأستاذ أنور الجندي
حاولت أجهزة الدعاية الغربية والصهيونية إعطاء"مصطفى كمال"أتاتورك حجمًا أكبر بكثير من حجمه الطبيعي، وذلك عن طريق عشرات المؤلفات التي طبعت ووزعت في مختلف أنحاء العالم، بتضخيم حجم هذا العمل التغيريبي التخريبي الخطير، الذي قام به.
ولقد حظيت اللغة العربية بعدد من هذه الكتب، منها كتاب"كمال أتاتورك"الذي كتبه"محمد محمد توفيق"واعتمد على 53 مرجعًا إنجليزيًا وفرنسيًا، وما زال يعد في نظر التغريبيين مرجعًا أساسيًا في تقديم هذا النموذج الأول الذي هو بمثابة المثل البكر لتجربة التغريب في العالم الإسلامي، والتي فشل تطبيقها في البلاد العربية وسقطت أخيرًا في إيران.
ولا يمكن فهم حقيقة كمال أتاتورك إلا بالعودة إلى السلطان عبد الحميد ومحاولة إسقاطه، التي تمت عام 1909 م والتي تولى الاتحاديون بعدها زمام الحكم إلى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918 م، كمرحلة إعداد الدور الذي قام به كمال أتاتورك من بعد.
بداية مريبة:
وما إن أسقط السلطان عبد الحميد حتى تحول الأمر في الدولة العثمانية إلى شيء خطير، فقد فتحت الأبواب لكل الأقطار والدعوات المعارضة للوحدة الإسلامية والخلافة الإسلامية والإسلام نفسه، وأتيحت الفرصة لكل الغلاة وخصوم العرب والإسلام، في أن يذيعوا كل ما من شأنه أن يحقق للاستعمار الغربي واليهودية العالمية مطامعها وأهدافها، وخرجت جماعات خريجي الإرساليات التبشيرية والمحافل الماسونية، لتسيطر على الرأي العام عن طريق الصحافة، وتولت الحكم وزارة في الدولة العثمانية بها ثلاثة وزراء من اليهود.
ثم انفتح الطريق إلى فلسطين وأتيح لسماسرة بيع الأراضي العمل في حرية كاملة، ونشط اليهود والدونمة والماسون من ورائهم للعمل.
وأسفرت عن نفسها:
وبدأت الحركة الطورانية تشق طريقها في تمزيق وحدة العرب والإسلام واندفعت جمعيو الاتحاد والترقي إلى تتريك العناصر الداخلة ضمن الامبراطورية. وكان التركيز على تتريك العرب شديدًا.
وكانت أولى خطوات الاتحاديين في الحكم: بناء منهج سياسي فكري للدولة العثمانية، مستمد من النظرية الغربية العلمانية، جريًا وراء الخطة التي رسمنتها الماسونية للثورة الفرنسية، وإلغاء المفاهيم الإسلامية وإحلال مفاهيم غربية خالصة بدلًا منها، وسارع الاتحاديون بإصدار تصريحات تقول بعزل النظام السياسي القائم، وقام أحدهم: أنه لا محل للجامعة الإسلامية في برنامج تركيا الفتية.
وقد جرت مهمة الاتحاديين في هذه الفترة على إعداد الدولة العثمانية لحركة التغريب في عديد من الجهات:
استسلامهم لبريطانيا استسلامًا كاملًا.
تسليم طرابلس الغرب لإيطاليا.
فتح الطريق أمام اليهود إلى فلسطين.
وضع العقبات أمام وحدة العرب والترك بتعليق العرب على المشانق في الشام.
محاولة تتريك الأعراق البشرية الداخلة في نطاق امبراطوريتهم وخاصة العرب.
إعلان فكرة الطورانية وإعلاء الجنس التركي على العالم كله.
وهكذا فإن كل ما حدث في فترة السنوات العشر السابقة للحرب العالمية الأولى إنما كان تمهيدًا لما جاء بعد ذلك. في تركيا أو في مصر أو لبنان، وذلك في ضوء التحول الخطير الناتج عن إسقاط الدولة العثمانية وتمزيقها، وقد تحقق ذلك بالفعل، نتيجة لدخول الاتحاديين الحرب العالمية في صف الألمان. فكانت هزيمة الألمان في الحرب هزيمة لهم مما أدى إلى السيطرة على تركيا وإذلالها، وفرض نفوذ فكري سياسي غربي عليها، حتى ينتهي هذا الوجود الإسلامي المرتبط بالخلافة والوحدة الإسلامية، وحتى لا تكون تركيا مرة أخرى منطلقًا للإسلام إلى أوربا، أو مصدرًا للخطر، أو جرثومة لتجمع إسلامي.
نعم كانت فترة السنوات العشر للاتحاديين مقدمة لما بعد ذلك، وتمهيدًا للمخطط التغريبي العنيف، الذي نفذه مصطفى كمال أتاتورك بقوة القانون.
مصطفى كمال والأهداف:
وقد كان مصطفى واحدًا من الاتحاديين بين زملائه طلعت وجمال وجاويد، ولكنه لم يلمع تحت الأضواء في هذه الفترة فقد استبقاه التخطيط الدقيق ليحمل لواء المرحلة التالية. وليصبح بعد الحرب امتدادًا لهم. ونقطة تجمع لهذه القوى. لتشكل مرة أخرى على نحو آخر، بعد أن حققت أكبر أهدافها وهي:
إسقاط الدولة العثمانية وتمزيق وحدة العرب والترك التي هي مظهر وحدة العروبة والإسلام. فقد كان أتاتورك واحدًا من رجال جماعة سالونيك ومحافلها الماسونية، ومن أبرز رجال الاتحاد والترقي، مؤمنًا بتلك المبادئ والمخططات التي نفذت فلم يكن حربًا عليها وأن أعلن اختلافه معها - في ظاهر الأمر - ولكنه كان يحقق مرحلة جديدة، فيها إعادة النظر إزاء بعض الوسائل مع الاحتفاظ بالغاية الكبرى، والوصول إليها بأساليب أشد إحكامًا.