فهرس الكتاب

الصفحة 17312 من 27345

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [ آل عمران: 102] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ً? [ النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:

فعداوة المنافقين للإسلام وأهله هي أشد ضررًا وأكثر خطرًا على الإسلام والمسلمين من الكفار الواضحين. ذلك لأنهم الأعداء ولكن في صورة أصدقاء، وإن واجب الأمة أن تكون يقظة وحذرة من كيدهم وأساليب خداعهم وتضليلهم، ولقد حذر الله نبيه من المنافقين وأمره بأن يحذر منهم وبين له حقيقتهم فقال له: ?هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ? [المنفقون:4] ، ومن نعمة الله تعالى علينا أن ذكر لنا صفات وأخلاق المنافقين في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, ومن صفات المنافقين وأخلاقهم التي ذكرها الله عز وجل, براعتهم في حسن القول وتزيينه, ومقدرتهم على خداع الجماهير وتضليلهم، فأنت إذا سمعت المنافق يتحدث يعجبك قوله، إذا تحدثت مع المنافق عن الدين والإيمان وعن الخير والاستقامة والصلاح, أو عن الفساد والمفسدين, أفاض معك في القول، وأظهر أن قلبه يتفطر حسرة وندامة على الفساد الموجود الذي نراه كل يوم ، وأنه يتمنى أن يصلح الناس ويستقيموا على الصراط المستقيم، ويظهر لك الموافقة على كل ما تريد أن تعمله، وقد يتعاون معك ظاهرًا، وقد يصف لك طريق الخلاص من الفساد الذي عم وطم. ولكنه في حقيقة أمره يحفر لك الحفر، ويمد لك الأحابيل ويطوقك بالمؤامرات والمكائد.

والله تعالى يدلنا على حقائق أحوالهم، ومكنونات قلوبهم الخبيثة وأنهم يمثلون الخطر الداهم على البشرية والإنسانية ، إنهم يتحذلقون ويتملقون للجماهير، ويظهرون لها كلامًا مزخرفًا مغريًا، يلبسون للناس لباس الضأن اللين ، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، فقولهم يعجب كل سامع ، ويشهد أحدهم الله على صحة ما يقول وعلى مطابقة قوله لفعله. إن المنافق يحمل بين جنبيه شخصية مزدوجة وكأنما هو شخصان في شخص. حين يكون أحدهم ضعيفًا فإنه يتمسكن حتى يتمكن، ويكون أحدهم في الظاهر خيرًا صالحًا فإذا ما حصل له نفوذًا أو نجح له تدبير أو أسند له عمل قيادي على الأمة تحول إلى شيطان رجيم ولكن في صورة إنسان، وأخذ في ظلم العباد وتخريب البلاد وعاث في الأرض الفساد ، استمعوا أيها المؤمنون إلى قول الله تعالى وهو يكشف لنا هذه النفسيات الخبيثة ويفضحها ويعريها للناظرين: ?وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ? [البقرة:204-206] .

لقد ابتليت أمة الإسلام على امتداد ساحتها بهذا النوع النكد من الناس، الذين يتملقون ويخادعون ويبرمجون برامجهم وأفكارهم ودعاواهم المغشوشة، ويبرزونها في أحسن المظاهر، وسواء ظهرت في شكل هيئات ومنظمات ، أو كانت في صورة كتل وأحزاب أو غير ذلك. حتى يستلبوا عقول الناس ويكسبوا مودتهم، والثقة بهم، فإذا ما وصلوا إلى التحكم في رقاب الناس وأموالهم وأعراضهم كشروا عن أنيابهم, وظهروا على حقيقتهم من اللدد في الخصومة, ورميهم الآخرين بالسفه ، وتحولوا إلى خصوم ألداء بالباطل، يفتنون الناس بباطلهم ويُبعدونهم عن ضروب الحق والخير والهدى والصلاح, ويُنفسون عن أحقادهم وشدة عداوتهم بالسعي بالإفساد في الأرض وتحطيم الأمة وإرهاقها، وأهلاك الحرث والنسل وعمل كل ما نهى الله عنه رسوله, من الظلم والجور والإرهاب والبطش. وبث جميع أنواع المفاسد الأخلاقية وتفكيك بنية المجتمع ومحاربة الدين، وإذلال أهله، ورفع الأراذل والرويبضات من الناس.

لقد وصف الله تعالى هؤلاء المنافقين المغرضين الذين يعملون على حرب الإسلام والمسلمين. وصفهم بثلاثة أوصاف خطيرة يعتمد عليها السامع ، وينجذب إليها وينخدع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت