د.إبراهيم عوض
كنتُ أَعِسّ (بتعبير ابنى) فى أرجاء المشباك منذ أيام فإذا بى أجد نفسى في أحد المواقع وجهًا لوجهٍ أمام معجمٍ فرنسىٍّ عنوانه:"Dictionnaire des religions et des mouvements philosophiques associes"، فقلت: أَدْخُل وأُلْقِى نظرة لعلى أستفيد شيئا، فوجدت عنوانا جذبنى إليه هو:"Coran et Sience"بقلم كاتبٍ اسمه yohanfrais لم يسبق أن سمعت به، فوقفت أحملق قليلا في العنوان، ثم استجمعت عزيمتى وتوكلت على الله وشرعت أقرأ، فألفيت أن الكاتب يتناول النصوص القرآنية التى يرى العلماءُ المسلمون أنها تتحدث عن موضوعات علمية، واقفا أمام كل نص من هذه النصوص محللا إياه لينتهى من التحليل إلى أنْ ليس في القرآن أىّ نص مما يمكن أن يقال عنه بحق إنه يتحدث عن موضوعٍ علمى. وفكرتُ في ترجمة أحد الموضوعات التى عالجها الكاتب تحت العنوان المذكور والتعليق عليه، واخترتُ الموضوع الخاص بما تتحدث عنه بعض آيات القرآن بشأن التقاء البحرين مع وجود برزخ يمنعهما أن يبغى أحدهما على الآخر. وهذه أولًا ترجمتى للنص المذكور:
"يتحدث القرآن في ثلاثة مواضع منه عن حاجزٍ يفصل بين بحرين عَذْبٍ ومِلْحٍ يلتقيان دون أن يمتزج أحدهما بالآخر (الفرقان/ 53، وفاطر/ 12، والرحمن/ 19- 21) . وهذه هى النصوص المذكورة: 1-"مَرَجَ البحرين يلتقيان* بينهما برزخٌ لا يبغيان* فبأىّ آلاء ربكما تكذّبان؟" (الرحمن/ 19- 21) . وجدير بالذكر أن كلمة"برزخ"المترجمة هنا بـ"
وحسبما يقول بعض المفسرين فإن هذه الآيات تكشف عن وجود مانع يحول دون اختلاط مياه الأنهار عند مصابها بمياه البحار، لأن هذا الاختلاط لا يتم في حالاتٍ معينةٍ إلا في عُرْض البحر بعيدا عن الشاطئ. ومن الممكن أن يكون هذا صحيحا، لكنْ أَلَسْنا هنا بإزاء ملاحظة بسيطة لظاهرة طبيعية يعرفها كل أحد، ألا وهى عدم اختلاط مياه دجلة والفرات بمياه البحر مباشرةً عند مصبهما في الخليج الفارسى؟ ومن الممكن أن نلاحظ عند مدينة البصرة بالعراق كيف أن مياه دجلة العذبة تصبّ في المحيط الهادى. وفى حالات المدّ العالى نشاهد طبقة مائية مالحة ذات لون أخضر تلامس طبقة من ماءٍ عذبٍ ضاربٍ إلى الحمرة دون أن يكون بينهما أدنى امتزاج. ولا شك أن القارئ يوافقنى على أن هذا المشهد المثير للاهتمام بالنسبة لنا اليوم لا بد أنه كان شيئا هائلا في نظر أهل القرن السابع الميلادى!
والآن علينا أن ننظر فيما تقوله لنا الحكاية الأسطورية البابلية التالية التى يرجع تاريخها لما قبل القرآن بثلاثة آلاف من الأعوام:"فى البدء لم يكن هناك إلا"نامُّو"التى كانت تتخذ صورة البحر الأصلى، أو فلنقل: المحيط الكونى. وقد أنجبت"نامُّو"هذه"أَنْ" (السماء) ، و"كِى" (الأرض) ... وأخيرا"أونكى"الإله الخاص بالماء العذب الذى كان يناوئ الماء الملح في نامّو (البحر الأصلى) ، فكان لا بد أن يُنْقَل إلى السماء على هيئة مطر".
ومن هذه الحكاية يتبين أن القرآن لم يكشف لنا شيئا في الواقع! وإذا كان بعض المسلمين يزعمون أن هذه الآيات القرآنية تكشف عن إحدى الحقائق العلمية، فينبغى حينئذ أن نتخذ نفس الموقف إزاء الأساطير البابلية، وأن نستخلص أن ثمة وحيًا كان ينزل على البابليين الوثنيين أيضا. إننى لا أتصور أنه ينبغى الوصول في تفكيرنا إلى هذا المدى، بل كل ما علينا هو أن نكون شرفاء وأن نصرّ على القول بأن هذه الآيات لم تنبع إلا من ملاحظة بسيطة لظاهرة من الظواهر الطبيعية تحدَّث عنها ناس آخرون ينتمون لحضارات سابقة على محمد بآلاف السنين.
كذلك لا بد من التنبيه إلى أن هناك مفسِّرين آخرين قد ذهبوا أبعد من هذا وادّعَوْا أن القرآن يكشف لنا هنا عن وجود طبقات مائية يختلف بعضها عن بعض في درجة حرارتها، وفى ملوحتها، وفى كائناتها الحية، وفى مدى ذوبان الأوكسيجين فيها...إلخ. والآن لنفحصْ ما قاله القرآن: إنه يتحدث هنا عن عدم اختلاط الماء الحلو (العذب الفُرَات السائغ شرابه) بالماء المِلْح (الأُجَاج) ، بيد أنه لا يقول شيئا عن اختلاف درجات الحرارة أو الكائنات الحية أو ذوبان الأوكسيجين. إن هذا كلام لا أساس له في القرآن في الوقت الذى يصف نفسه فيه بأنه تبيان وتفصيل لكل شىء، وأنه ما من شىء إلا وهو موجود في آياته.