فهرس الكتاب

الصفحة 11745 من 27345

د. فايز عبد الفتَّاح أحمد أبو عمير*

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد.

فإنَّ ما تعيشه الأُمَّة المُسلمة في حاضرها من انحطاطٍ وتردٍّ وهوان، لعلَّه أسوأ ما مرَّ عليها في تاريخها الغابر، إذا لم تعد العُدَّة وتصحو من كبوتها لتتسلَّم زمام قيادة العالم من جديد، هذا العالم الذي يئنَّ الآن من وطأة العلمانية المستعْبِدَة والمستَبدَّة، يتطلع للخلاص، ويتطلع لأنْ يشعر الإنسان بإنسانيته ، وكرامته التي أهدرتها الماديَّة الجاهلية.

إنَّ الأُمَّة الإسلامية هي الأُمَّة الوحيدة القادرة على صنع الحضارة الإنسانية، والفكر الإسلامي هو الفكر الوحيد القادر على بثِّ الرُّوح في ماديَّة الإنسان ليصنع منه إنسانًا يسمع ويرى بنور ربِّه، هذا الإنسان الذي بات يصم أذنيه ويغمض عينيه، يَقْتُل ويُشَرِّد مبرِّرًا وحشيته تحت مُسمَّيات ما أنزل الله بها مِنْ سلطان.

وإذا سمحت لنفسي أنْ أقول إنَّ المادية العلمانية التي لا روح فيها أخرجت هذه النَّماذج، لا تُلام، لأنَّ أصحاب المبدأ الإسلامي غابوا وتركوا السَّاحة لغيرهم، يسرحون ويمرحون دون وعيٍ أو إدراك حقيقي لما ستؤول إليه حال البشرية إذا ما بقيت سائرة في دروب الضَّلال والتِّيه.

لقد أفلست كل العقائد والمبادئ وكل الطروحات، وها هي تتخبط ولا مخرج، وإنَّ الأعناق تشرئبُّ إلى هذا الدِّين ليخرج النَّاس من ظلمات الجهل والباطل إلى نور الإيمان وصلاح الدنيا والآخرة.

عادت البشرية إلى جاهلية أشد مِنَ الجاهلية الأولى رغم تقدُّمها العلمي وبلوغها شأنًا عظيمًا في هذا المجال. إلا أنَّ استعباد الإنسان وإهدار إنسانيته عاد بصورة عصرية بشعة ، ولا شكَّ أنَّ المستقبل لهذا الدِّين ليأخذ دوره الطبيعي الريادي في قيادة البشرية.

إنَّ المسؤولية تقع الآن على أعناق المسلمين ليقوموا بهذا الدَّور الجليل والخطير، وإلاَّ فإنَّ الله سيأتي بقوم آخرين يحبهم ويحبونه ولا يكونون أمثالنا، كما في قوله تعالى) وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم

ثم لا يكونوا أمثالكم [1] ).وقوله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) ( [2] ) .

وعليه فإن سنة الاستبدال ستجري علينا (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا) ( [3] ) .

في هذه الورقات طرحت سؤالين ملحين يتصلان بحياتنا المعاصرة وهما:

ـ هل هناك أمل ؟ ! ـ وما العمل ؟ !

وللإجابة على هذين السؤالين أقول والله المستعان:

السؤال الأول: هل هناك أمل ؟ !

لقد أصاب المسلمين اليأس والقنوط للخروج من المأزق الذي وقعوا فيه ولا يستشعرون بارقة أمل لنهاية النَّفق المظلم، لقد طال الليل وازدادت خطوبه، والدول العلمانية الماديَّة تدَّعي الحضارة، وتسعى إلى إسعاد الإنسان، وهي في الحقيقة تُدمِّر الحضارة وتُدمِّر الإنسان، وتريد أنْ تقضي على بارقة النور.

فهل هناك أمل ؟ !

أولًا: تحريم القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبوية لليأس والقنوط:

لقد تظاهرت نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبوية المطهَّرة في النَّهي عن اليأس والقنوط من رحمة الله واليأس عن الوصول إلى الغاية المنشودة؛ بل جعلت القعود وفتور الهمم وضعفها منافيًا للإيمان وللغاية التي خُلِقَ الإنسان من أجلها، قال تعالى ( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) ( [4] ) .

وقال تعالى ( قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) ( [5] ) .

وقال تعالى ( وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) ( [6] ) .

وقال تعالى ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسًا( [7] ) .

وقال تعالى (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط) ( [8] ) .

يقول سيد قطب ( [9] ) :"إنَّه لا يقنط من رحمة ربِّه إلا الضَّالون، الضَّالون عن طريق الله الذين لا يستروحون روحه، ولا يحسون رحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته ، فأمَّا القلب الندي بالإيمان المتَّصل بالرحمن، فلا ييأس ويقنط مهما أحاطت به الشدائد، ومهما ادْلَهَمَّتْ به الخطوب، ومهما غام الجو وتلبَّد، وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر فإنَّ رحمة الله قريبٌ من قلوب المؤمنين المهتدين، وقدرته تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج وتغيِّر الواقع كما تغيِّر الموعود".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت