فهرس الكتاب

الصفحة 11746 من 27345

ولقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم القنوط بفواحش الأعمال وبالشرك، فعن فُضالة بن عبيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيًا، وأَمَة أو عبد أَبِقَ فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم. وثلاثة لا تسأل عنهم: رجل نازع الله عز وجل رداءه فإنَّ رداءه الكبرياء وإزاره العزة، ورجل شك في أمر الله، والقنوط من رحمة الله" ( [10] ) .

كما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من القعود والعجز عن القيام بالأعمال، والتعلل بتعليلات واهية لا تليق بالإنسان الذي أعده مولاه للخلافة في الأرض وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من العجز والكسل والقعود باعتبار كونه يحط من إنسانية الإنسان، ويقعده عن القيام بمهام الرسالة التي كُلِّف بحملها.

فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر" ( [11] ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدَّر الله وما شاء فعل، فإنَّ"لو"تفتح عمل الشيطان) ( [12] ) .

عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) ( [13] ) .

كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إشاعة حالة الإحباط في الأمة، واعتبر ذلك من الأمور المهلكة لصاحبها وللأمة على حدٍ سواء .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم) . قال أبو إسحاق:"لا أدري أهلكهم بالنصب أو أهلكُهم بالرفع" ( [14] ) .

ثانيًا: القرآن الكريم والسنة النبوية يذكران بانتصارات الأمم الضعيفة والمغلوبة:

إنَّ التاريخ يشهد أن كثيرًا من الأمم المغلوبة والمقهورة انتفضت واستيقظت من غفوتها وردت الكرة على غالبيتها وأذاقوهم من نفس الكأس التي شربوها، وذلك بعد أن حصل لهم الوعي بواقعهم، وتطلعت نفوسهم إلى مستقبل مشرق وضّاء، فكان لهم ما أرادوا, ولا يعني ظهور قوى غاشمة ومُتجبِّرة نهاية التاريخ كما يدعون، بل هي نهاية تاريخهم بإذن الله.

ولقد ذكرت نصوص الكتاب والسنة أنَّ الأمة إذا عادت إلى إيمانها وأعدت ما استطاعت من عدة، يمكن أن تنهض، وأن تستعيد عافيتها من جديد، انظر إلى قوله تعالى ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) ( [15] ) .

وقوله سبحانه وتعالى ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) ( [16] ) .

وقوله تعالى ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) ( [17] ) .وقوله تعالى ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) ( [18] ) . ولا يظن ظانّ أن النصر والرفعة يتمان من غير عدد ولا عدة بل أمر سبحانه بإعداد أكبر قدر مستطاع من القوة وبذل أقصى الوسع في تهيئة أسباب النصر، قال تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) ْ ( [19] ) .

كما ينبغي أن تتوافر لدى الأمة نية النصر والتشوق إلى طلوع فجر جديد والعمل لذلك والتلبس بكل ما هو خليق بأن يحدث عودة الحياة الإسلامية إلى الواقع فلو أن الأمة ملكت كل أنواع السلاح ولديها الرجال والمال، لكن لا نية لديها لبثّ فكرها ونشر مبادئها أو حتى الدِّفاع عن حياضها، فإن تلك الأعداد والعتاد لا تغني عنها شيئًا، بل تكون وبالًا بعرض صور الحلقة الأخيرة للأمم الغاشمة والظالمة، انظر إلى قوله تعالى: ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ) ( [20] ) . وقوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) ( [21] ) . وقوله تعالى ( حتى إذا استئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) ( [22] ) .

وقال سبحانه ( ولقد مكناهم في إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ( [23] ) .وقال تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين( [24] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت