د. محمد بن إبراهيم أبا الخيل أستاذ المسعاعد في كلية العلوم العربية والاجتماعية/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 18/5/1423
إن التذكير باتصال اليهود بنابليون ذو أهمية بالغة في السنوات الأخيرة ، إذ أننا ـ منذ فترة ـ نرى كتابات ممن يُسمون بالمستنيرين تُبعث من جديد ، ويروج لها بين المسلمين ، وكما هو معلوم أنها تحوي ـ فيما تحويه ـ تمجيدًا لحملة نابليون على مصر بصفتها ـ كما يزعمون ـ السبب الأكبر في انبعاث نهضتنا الحديثة . فنابليون عند هؤلاء ـ تصريحًا أو تلميحًا ـ هو الذي انهض الشرق بعد طول رقاد . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإننا نعيش في زمن أفصح فيه النصارى ـ ممثلين بكنيسة روما ـ واليهود في فلسطين المحتلة عن تعاونهم بشكل مكشوف بتوقيع اتفاقية رسمية نشرت أمام أنظار العالم قبل سنوات ، و عدها وزير الخارجية اليهودي حينها أكبر إنجاز لدولة إسرائيل منذ قيامها. ونحن نعلم أن الولاية بين اليهود و النصارى و التناصر فيما بينهم و تعاونهم ضد الأمة المسلمة سنة ربانية لا تتغير بمرور السنين ، ولا تتبدل بتوالي الأيام ، وإن كانت تخبو في فترات ، وتتجلى كالشمس في فترات أخرى . قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ....الآية) (1)
فالتعاون بين المغضوب عليهم والضالين ـ سواء المعلن عنه أو المستتر ـ لضرب الإسلام وأهله له شواهده السافرة عبر تاريخنا الإسلامي الطويل .، منها ما حصل أيام الحملة الفرنسية على مصر .
لقد تعود اليهود ـ على مدى تاريخهم ـ على استغلال الأحداث ، و عطفها لصالحهم ، و ليس كما يقال إنهم ـ دومًا ـ هم الذين يصنعون الأحداث ، و يخططون لها ، فهم ـ مثلًا ـ استفادوا من الثورة الفرنسية ، ووظفوها لرفع كاهل الاستعباد عنهم الذي طالما أرهقهم عسرًا . فشعار الحرية والمساواة والإخاء الذي رفعه المتظاهرون الفرنسيون خدم اليهود بالذات ، فأصبح لهذا الشعار مفهوم خاص عندهم جدوا في تعميمه . فالحرية استغلوها في كسر التقاليد ، ونبذ الأخلاق ، و الخروج عن المعهود من الحشمة و الحياء . أما المساواة والإخاء فنظروا إليها على أنها وسيلة لهم للتسرب إلى أجهزة الدولة ومرافقها المختلفة ، ثم التساوي مع غيرهم في العلم بها ، ومن ثم تخلصهم من سبة الاحتقار و موجة الازدراء التي كانت تلاحقهم أينما حلوا في هذه المعمورة . (2)
ولقد كان مفكرو اليهود أيام الثورة الفرنسية و بُعَيْدها يتناقلون الأحاديث فيما بينهم عن مستقبل بني جلدتهم ، ويتداولون الأراء و المشروعات حول عودتهم إلى الأرض التي اعتقدوا أن أنبياءهم بشروهم بالعودة إليها ، مثال ذلك ما عرضه بهذا الشأن البرنس دي لينيه في سنة 1212هـ (1797م ) على إمبراطور النمسا . (3)
ثم إنه لما نزل نابليون سواحل مصر في محرم 1213هـ ( يوليو 1798) واتجه صوب بلاد الشام لاحتلالها في شهر رمضان من السنة نفسها ( فبراير 1799) (4) أطل اليهود برؤوسهم وسعوا لاستثمار هذا التحرك الفرنسي لصالحهم . ففي ( 17 فبراير 1799) عرض توماس كوربت الضابط في الجيش الفرنسي على عضو حكومة نابليون المسيو بول باراراس Paul Bararas مشروعًا يقترح فيه الاستفادة من اليهود في تحركات نابليون في بلاد الشام ، فدعاه ـ في ذلك المشروع ـ إلى أن يتصل بكبار اليهود ، ويثير في نفوسهم تحقيق تلك الأمنية التي ما برحوا يأملون تحقيقها ألا وهي اجتماع شتاتهم في فلسطين ، ومن ثم يطلب منهم جمع الأموال لا بتياع الأراضي هناك من فرنسا ، فضلًا عن تجهيز المراكب البحرية ، و التدريب العسكري للشباب اليهود للاشتراك في حروب نابليون الشامية ، ثم يعود كوربت مرة أخرى في خطابهِ الذي يحمل تفاصيل المشروع إلى باراراس ـ ليؤكد أهمية الاستعانة باليهود في مخططات نابليون في الشرق ، إذ يرى أن مصالح فرنسا تتفق تمامًا مع مصالح اليهود في المنطقة ، فأموال اليهود ـ حسب قوله ـ ستنشط التجارة بين أوربا وآسيا ، كما أن اليهود أنفسهم سيوفرون لفرنسا عنصرًا بشريًا مواليًا يرسخ استعمارها لمصر وبلاد الشام ، لأنه ليس من المعقول أن يهاجر الفرنسيون إلى تلك البلاد البعيدة و يُخلون وطنهم الأصلي ( فرنسا ) ، بل أنه أشار إلى أن اليهود سيقدمون أهم الضمانات لبث الفوضى وإشعال الفتن في إمبراطورية العثمانيين . (5)