الإسلام سيد الموقف محمد الحبر يوسف*
دللت الأحداث على مدار التاريخ أن سر بقاء هذه الأمة المسلمة كامن في دينها ، فالإسلام بقوته الذاتية قادر على الصمود في وجه كل التحديات التي تجابهه ، كما أنه وحده القادر على أن يبعث الحياة في جسد الأمة كلما خارت قواه ، وما تزال انتفاضات الأمة الإسلامية ومظاهر اليقظة والتجديد فيها تؤكد لنا هذه الحقيقة بجلاء .
صحيح أن صلة الأمة بدينها قد يعتريها الوهن في مرحلة من مراحل التاريخ ، وقد تسرى علل غليظة في كيان الأمة تعيقها عن السير ، وتبعدها عن منصب الريادة ، ولكن ذلك كله لا يمنع الأمة من قابلية النهضة ، وإمكانية الابتعاث من جديد لتؤدي دورها المنشود ، وقد أبى الله لهذه الأمة أن تنهض إلا تحت راية القرآن وفي ظلال الإيمان ( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)
ومن هنا فإن أي محاولة للإصلاح والنهوض لا تتخذ من الإسلام مرجعا أصليا محاولة محكوم عليها بالفشل ، فالإسلام هو سيد الموقف والمحرك الباعث لأي مشروع إصلاحي ناجح في هذه الأمة ، وتاريخ الحركات الإصلاحية شاهد على ذلك ، وقد أدركت بعض الفصائل العلمانية في عالمنا الإسلامي جزءا من هذه الحقيقة ، بعد سلسلة من تجارب الفاشلة التي كادت أن تأتي على بنيانها من القواعد ، وبدأ مفكرو هذه الفصائل في بلاد المسلمين يعيدون النظر في موقفهم من معادة الدين ، ويبحثون -منذ أمة- عن صيغة جديدة للتعامل معه ، وانتقل كثير منهم طوعا أو كرها من دائرة الدعوة إلى إقصاء الدين ، إلى دائرة المجاملة له ومنافقته بكلمات قد تبدو باهتة ولكنها ذات دلالة عميقة للمتوسمين ! وعسى الله أن يفتح بصيرة المخلصين منهم ليدركوا الحق ، و يعلموا أن الحلول المستوردة التي راهنوا عليها كثيرا لا مكان لها في ديار الإسلام ، وإن فرضها الجنرالات بالحديد والنار.
إلا أن هناك فصائل أخرى من قبائل العلمانية في بلادنا أرادوا أن يمتضوا صهوة الجواد الأمريكي الذي يتهددنا بمشاريعه الإصلاحية!! التي لن تدع مجالا من مجالات الحياة إلا تمددت فيه ، وعلى هؤلاء وأولئك أن يدركوا أن الإسلام أثبت من أن تجتثه قوة ، وأن الأسلحة المتطورة والجيوش المدربة لا يمكن أن تحسم الموقف لصالح أمريكا أبدا ، بل إنها أعجز من أن تحمي أمريكا نفسها لأن القوة العسكرية لم تعد في عالم اليوم سيدة الموقف! ولأنها -أي القوة العسكرية- غدت عبئا يستنزف موارد الدول العظمى ويرهق كاهلها بالديون، ويبشر ببداية الانهيار لقوتها.
وإذا كانت القوة العسكرية عاجزة عن حسم الموقف لصالح المشروع الغربي ، فإن الميدان الآخر الذي يجب على الغرب أن يسلكه لمحاصرة الإسلام ، هو ما اصطلح عليه الناس بحرب الأفكار وصراع الحضارات ، والإسلام بحمد الله يملك رصيدا ضخما يؤهله لدخول هذا الميدان بثقة عامرة.
ومن شهد الوغى وعليه درع تلقاها بنفس مطمئنة
ولا شك أن المشروع الغربي نفسه سيكون رصيدا للمسلمين ، فهذه الحضارة الغربية التي كانت فيما مضى تمثل -لبعض الناس- في بلادنا نموذجا يحتذى لم يعد لها اليوم ذلك البريق الجاذب بعد أن افتضحت شعاراتها ، وبانت سوءاتها ، وأدركها الهرم ليس في بلاد الإسلام فحسب بل في كل بلد أطلت فيها برأسها.
فالغرب -وعلى رأسه الولايات المتحدة- استطاع بمواقفه السياسية الرعناء ومشكلاته الاجتماعية المتلاحقة أن يبرهن للعالم كله أنه غير جدير بالثقة ، وأن كل البهرج الذي أحاط به نفسه أو أحاطه به الناس بهرج زائف كاذب ، فقد تعاظم الشعور بل تواترت الأدلة على أن الغرب قد جنى على الإنسانية جناية لم ترتكبها أمة من قبل ، سواء في الحروب المدمرة التي أشعلها ، أو الفساد العريض الذي أحدثه في الأرض ابتداء من القيم والأخلاق وانتهاء بمشكلات التلوث البيئي والاحتباس الحراري ! كل هذا وأضعافه من المرارات والمشكلات سيؤكد للعالم كله حتمية البحث عن مخرج من هذا المأزق الحرج ، والمصير المشؤم ، والكارثة المرتقبة ، وقد تفطن لهذه النهاية الأليمة عدد من كبار مفكري الغرب من بينهم الصحفي المخضرم -T.D.Allman - الذي كتب كتابا بعنوان دولة الخداع: أمريكا في حرب مع العالم ، شن فيه هجوما عنيفا على الإدارة الأمريكية وحملها مسؤولية الكره التي أوجدتها في الدنيا اتجاه كل ما هو أمريكي ، والأهم من ذلك أنه ذكر أن الإدارة الأمريكية ستقود العالم إلى الخطر الماحق إن تركت تمضي في سبيلها ، ودعا ألمان الشعب الأمريكي أن يعمل ما يستطيع ليمنع بوش من إحداث التغيير السيئ في العالم.