أُماه
بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي
قُومِي انْظُري أُمَّاهُ لُوْ تَرَكَ الأَسَى
عَيْنًَا وَضُمِّينيِ لِصَدْرِ حَنَانِ
وَتَبَسَّمِي وَالمَوْتُ يَنْشُر ظِلُّهُ
وَتَغِيبُ في طَيَّاتِهِ الشَّفَتَانِ
مُدِّي إلَيَّ يَدًَا تُعَانِقُني ، وَهَلْ
تَقْوى ؟ وَقَدْ وَهَنَتْ لِذَاكَ يَدَانِ
وَتَكَلَّمِي ! أُمَّاهُ إنِّي سَامِعٌ
لُغَةَ الوَدَاعِ ومُنْصِتٌ لِبَيَانِ
حَتَّى سَكَنْتِ إِلى الخُلُودِ وخَالَطَتْ
قَسَمَاتِ وَجْهِكِ عَبْرَةُ الحَدثَانِ
وتَمَثَّلتْ صُوَرُ المَنيةِ وَانْطَوَى
أَمَلٌ وَغَاب بِلُجَّةِ الأحْزَانِ
أُمَّاهُ أَطلَقَها الفُؤادُ وَمَازَجَتْ
صَوْتَ النُّوَاحِ مَدَامِعُ الأَجْفَانِ
وَنُقِلْتِ للبَيْتِ الَّذِي غَادَرْتهِ
حِينًَا ! مُحَمَّلَةً عَلى الأَكْفَانِ
وَقَضَيْتِ فِيْهِ لَيْلَةً وَكَأَنَّها
عُمْرٌ وبَعْضُ العُمْرِ لَيْسَ بِفَاني
يُلْقِي عَلَيْكِ بَنُوكِ مِنْ أَكْبادِهِمْ
قِطَعًَا تَذُوبُ بِمَدْمَعٍ هَتَّانِ
وَأَسَىً إذَا مَا مَسَّ جَانِبَ صَخْرةٍ
لأَذَابَهَا في ثَوْرَةِ البُرْكَانِ
يَا أَيُّها الجَسَدُ المُسَجَّى أَيْنَ مَا
حُمِّلْتَهُ في خَافِقٍ وَجَنَانِ
وَجَوَارِحٍ بَرَدَتْ وَعَيْنٍ أُغمِضَتْ
وَفَمٍ يُكَتِّمُ سِرَّهُ وَبَنَانِ
أَيْنَ الرِّوَايَةُ إذْ تَلَوتِ فُصُولَهَا
وَطَوَت صَحَائِفَها يَدُ الأَزْمانِ
يَا أيُّهَا الإِخْوَانُ أَيْنَ جُمُوعُكُمْ
تسْعَى تُقِلُّ مُطيَّبَ الجُثْمَانِ
وَالطَّرْفُ مُنْكَسِرُ أسَىً وَمُبَلَّلٌ
وَالْخَطْوُ فِيهِ تَمهُّلُ الرُّهْبَانِ
يَا أُمُّ تَبْكِيْكِ الرِّجَالُ كَأَنَّما
هُمْ نِسْوَةٌ بَكَّتْ عَلى شُبَّانِ
أَلخُفْرَةٍ يَطْوي السُّعَاةُ بِسَاطَهُمْ
يَتَسَابَقُونَ فَوَارِسَ المَيْدَانِ
مَالي عَجِبْتُ وَكَمْ أُوَدِّعُ صَاحِبًَا
في التُّرْبِ أُوْدِعُهُ بِدَمْعٍ قَاني
يَا قَبْرُ كَمْ هَطَلَتْ عَلَيْكَ مَدَامِعٌ
سَبَقَتْ وَكمْ حَرَّكْتَ مِنْ أَشْجَانِ
وَاليَوْمَ أُوْدِعُكَ الأُمُومَةَ إِنَّهَا
دُنْيَا تَنَفَّسُ عَنْ هَوَىً وَمَعَانِي
يَغْفُو عَلَيْكَ مِنَ النَّسِيمِ عَلِيْلُهُ
وَيُطِلُّ فَوْقَكَ وَارِفُ الأَغْصَانِ
يَا أُمُّ أَيْنَ مَرَابعٌ بَسَمتْ لَنَا
وَمَنازِلٌ سَعِدَت وَطِيْبُ مَكَانِ
كَانَتْ تَهِشُّ إذَا نَزَلْتِ ظِلاَلَها
وَتَمُوجُ في طَرَبٍ وَحلْوِ أَمَاني
وَلَكَمْ مَسَحْتِ ليَ الدُّمُوعَ بَراحَةٍ
نَشَرَتْ عَلى خَدَّيِّ ظِلَّ أَمَانِ
فَإِذَا سُرِرْتُ فَبَسْمَتي وَطَلاَقَتي
وَإِذَا شَكَوْتُ فَمَدْمَعِي وَلِسَاني
وَدَفَعْتِني لَمَّا خَشِيْتُ وَقُدْتِني
لَمَّا ضَلَلْتُ وَزِدْتِ مِنْ إيمانِي
عَجَبًا إِذًا مَنْ لِلْدُّمُوعِ يَرُدُّهَا
يَوْمَ الفِرَاقِ وَمَنْ يُعيدُ جَنَانِي
بِالأَمْسِ أَضْحَكَني وَأَنْسَاني الأَسَى
أَمَلٌ ذَوَى وَاليَوْمَ قَدْ أَبْكانِي
يَا أُمُّ فَكَّ المَوْتُ قَيْدًَا قَاسِيًَا
وَطَرَحْتِ عَنْكِ غَلاَئِلَ الإِنْسَانِ
وَتَرَكْتِ خَلْفَكِ غَيْرَ آبِهَةٍ لَهَا
دُنْيَا وآثَرْتِ النَّعيمَ الثَّاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· ديوان الأرض المباركة .