يتناول الدرس الأساليب التي اتبعتها قريش في محاربة رسالة الإسلام واضطهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومن ذلك: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه،و السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين،و المساومات ...إلخ .
إن الحمد لله ، نحمده، ونستعينه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا ... أما بعد .
اتخذت قريش أساليبًا عدة لمحاربة النبي r ، ومن هذه الأساليب:
الأسلوب الاول: محاولة منع عمه أبي طالب من نصرته .
وذلك حتى يكفُّه عن الدعوة ، أو يجرده من جواره- أي حمايته- ، فقد ذهبت مجموعة من أشرافهم إلى عمه أبي طالب ، وقالوا له: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فقال لهم أبوطالب قولًا رفيقًا، وردهم رداًّ جميلًا، فانصرفوا عنه.
الأسلوب الثاني: التهديد بمقاتلة الرسول وعمه أبي طالب.
مضى رسول الله يظهر دين الله ، ويدعو إليه، فغضبت منه قريش ، وحض بعضهم بعضًا ، ومشوا إلى عمه مرة أخرى، فقالوا له: يا أباطالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وأقسموا بأنهم لن يصبروا على أفعاله حتى يكفه عنهم أو ينازلوه وإياه في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين ، عند هذا عظُم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم ترض نفسه بتسليم رسول الله r لطالبيه ولا خذلانه ، ولذا أبلغ الرسول بالذي قالوه ، وطلب منه أن لا يحمله من الأمر مالا يطيق ، وبعد أن ظن الرسول أن عمه قد ضعف عن نصرته قال له: [ياعم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ماتركته ] ثم بكى رسول الله r وقام من عند عمه فلما ولى ناداه عمه فقال: ' أقبل يا ابن أخي ' فلما أقبل قال له: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لاأسلمك لشيء أبدًا، وظل أبو طالب طوال حياته ينهى الناس عن إيذاء الرسول ، ويحميه ويمتنع عن الدخول في الإسلام.
الأسلوب الثالث: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه.
حيت اتهموا رسول الله r باتهامات باطلة منها:
1-الجنون: وفي ذلك نزل قوله تعالى: ] وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [6] [ سورة الحجر .
2-السحر: قال الله تعالى ]وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [4] [ سورة ص . وقد تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن ، فعندما أوشك دخول موسم الحج جمع فريقه من عتاة المجرمين فقال لهم: ' يامعشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا ، ولاتختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا ' ، واتفقوا على أن يصفوه بالسحر لأنه يفرق بين الأقارب ، ولكن شاء الله أن تصدر العرب من مكة على أمر رسول الله r فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .
3-الكذب: قال الله تعالى: ]وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [4] [ سورة ص .
4-الإتيان بالأساطير: قال الله تعالى: ]وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [5] [ سورة الفرقان .
5-قالوا إن القرآن ليس من عند الله ، وإنما هو من عند البشر: قال الله تعالى: ]وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [103] [ سورة النحل .
6-اتهموا المؤمنين بالضلالة: قال الله تعالى: ]وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [32] [ سورة المطففين .
الأسلوب الرابع: السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين.
قالت امرأة مشركة للرسول r ساخرة مستهزئة: 'إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا ' ؛ فأنزل الله تعالى: ]وَالضُّحَى [1] وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [2] مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [3] [ سورة الضحى .
الأسلوب الخامس: التشويش .
كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما يقرأ r القرآن ؛ حتى لا يُسمع فيفهم فيترك أثرًا في عقل نقي وقلب طيب حسب زعمهم ، وفي ذلك قال المولى تبارك وتعالى:]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [26] [ سورة فصلت .
الأسلوب السادس: طلبهم أن تكون للرسول r معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين .