د. إبراهيم محمد أحمد بلولة*
مدخل:
إنَّ قضية النمو السكاني كادت تشغل العالم وتتسبَّب في حدوث مشكلاته الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والبيئية. وذلك على افتراض أنَّ النمو السكاني هو السبب في حدوث كل هذه المشكلات. وعند طرح الحلول والسياسات لمحاولة علاجها؛ فإنَّ من أهم فروضها هو كبح تكاثر السكان وتثبيت نموهم على أساس أنَّ السيطرة على نمو السكان والحد منه هما مفتاح الحل لهذه المشكلات.
إنَّ القول بأنَّ العالم يَمُرُّ بمرحلة نمو سكاني سريع أمر تتأكد حقيقته في كل يوم، غير أنَّ هذا النمو السريع يمثل ظاهرة ترتبط بالدول النامية دون المتقدمة. فقد كان العالم حتى سنة 1950م يضيف لسكانه في المتوسط نحو 38 مليون نسمة سنويًا، ثم ارتفع هذا المعدل في الفترة ما بين 1950م وما بين 1990م إلى 70 مليون نسمة سنويًا. واليوم يستقبل العالم نحو 95 مليون نسمة سنويًا، 95% منهم في الدول النامية. كذلك أصبح كل بليون جديد من البشر يضاف بصورة أسرع من سابقه. فقد أخذ العالم فترة 2 إلى 5 ملايين سنة ليصل عدد سكانه إلى بليون نسمة سنة 1800م. ولكن بعد ذلك بنحو 130 سنة (سنة 1930م) صار عدد السكان بليونين. وبعد ثلاثين سنة أخرى (سنة 1960م) صار ثلاثة بلايين، ثم أخذ 16سنة بعد ذلك (سنة 1976م) ليصبح أربعة بلايين نسمة، ثم أخذ 14 سنة ليصبح عدد سكان العالم خمسة بلايين نسمة
هذا وقد احتفل العالم في عام 1999م بإضافة البليون السادس إلى سكانه، بعد حوالي تسع سنوات فقط من إضافة البليون الأخير ( [2] ) .
ويضم العالم اليوم ستة بلايين نسمة، منهم 20% في الدول المتقدمة مقابل 80%، أو خمسة بلايين في الدول النامية. وهذه الأخيرة تتمتع بمعدلات عالية للنمو السكاني تصل في المتوسط إلى 29%، و1.8%،
و1.8% في كل من إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، على الترتيب. هذا في الوقت الذي يبلغ فيه متوسط معدلات النمو السكاني في كل من أمريكا الشمالية، وروسيا، وأوربا، نحو 1.1%، و0.5%، و0.3%، لكل منها على التوالي. بالتالي بينما يتضاعف سكان الدول المتقدمة في المتوسط بمعدل مرة واحدة كل 70ـ80 سنة، فإنَّ سكان الدول النامية يتضاعفون مرة كل 25ـ30 سنة. مع تباين فترة التضاعف هذه من دولة لأخرى، فمثلًا في الوقت الذي يتضاعف فيه سكان إندونيسيا مرة كل 24 سنة؛ يتضاعف سكان المملكة المتحدة مرة كل 140 سنة ( [3] ) .
وقد أصبحت القضية أداة في يد الدول المتقدمة، يتم عن طريقها نسج الإستراتيجيات، وصياغة الخطط، وبسط البرامج الخاصة بتحديد النسل لوقف النمو السكاني في الدول النامية، من أجل تحقيق أهداف ومصالح خاصة بتلك الدول المتقدِّمة بعد أنْ ضمنت وأمَّنت لنفسها وضعًا تكنولوجيًا متقدِّمًا يغنيها عن الحاجة للكثرة العددية في السكان، بل لقد أصبحت قضية النمو السكاني بمثابة المنفذ الواسع الذي تدخل منه كثير من المفاهيم والأفكار والممارسات والشرور المتعلقة بها، بل والقيم التي تفرزها المجتمعات المادية الغربية، إلى رحاب المجتمعات الإسلامية مهدِّدةً إيَّاها بنسف قيمها، وتفكيك مجتمعاتها، وتقويض بنيانها الحضاري، والعقائدي، والأخلاقي، والاجتماعي.
ولما كانت قضية النمو السكاني بمضامينها المختلفة؛ تتسم بهذا القدر الكبير من الأهمية، وتنطوي على هذا القدر الكبير من المخاطر بالنسبة للأُمَّة المسلمة من ناحية، وفي ظل غياب الرؤية الواضحة لقضية النمو السكاني وآثارها لدى الأوساط العلمية والرسمية في الأُمَّة من ناحية أخرى؛ فقد رأى الباحث ضرورة الوقوف عندها، ثم وزن حقائقها بموازين إسلامية، وإعادة صياغتها على نحو يقرِّبها من الفهم الإسلامي الصحيح، الذي يساعد على وضع الخطط والسياسات السكانية الناجعة بالنسبة للأُمَّة الإسلامية وعلى مستوى أقطارها.
التكاثر السكاني في الفكر الغربي
اتضح من دراسة توزيع السكان على سطح الأرض حقيقتان مهمتان:
أولاهما: الزيادة الكبيرة في أعداد السكان.
وثانيتهما: اختلاف المناطق التي يعيش فيها الإنسان، واختلاف الكثافات المحلية للسكان بها.
وتتصل هاتان الحقيقتان بتطور السكان.
ولدراسة الأيديولوجيات السكانية الخاصة بتطور حجم السكان؛ نجد أنَّ هناك نظريات تناولت عددية السكان، وتنقسم هذه النظريات إلى مجموعتين: نظريات ترمي إلى زيادة عدد السكان، وأخرى تنادي بالحد من الزيادة السكانية.
وقد ظهرت الاتجاهات الهادفة إلى زيادة عدد السكان منذ العصر اليوناني، إذ تبنَّى فكرة زيادة السكان بقصد القوة الحربية فلاسفة (إسبارطة) ، الذين يرون أنَّ زيادة عدد سكان الدولة يُعَدُّ في حد ذاته قوة تؤدي إلى احترامها في المجال الدولي، وإلى زيادة رقعتها، وتبرير مطالبها بمجالات حيوية. كما أنَّ زيادة عدد سكان الدولة يمثل زيادة لقوتها الاقتصادية، إذ إنَّ كثرة القوى العاملة سوف يزيد من قوة الإنتاج.