فهرس الكتاب

الصفحة 5835 من 27345

وبينما يؤيِّد فريق من الباحثين هذا الرأي؛ نجد آخرون يعارضونه، ويذهبون إلى القول بأنَّ زيادة السكان هي نتيجة لتطور الدولة الاقتصادي وزيادة مواردها الاقتصادية، وأنَّ الزيادة السكانية لا يمكن أنْ تسبق التطور الاقتصادي نفسه ( [4] ) .

ومن بين الفلاسفة الذين نادوا بزيادة السكان إميل دوركايم

أحدهما: يشمل المجتمعات قليلة السكان، محدودة النطاق، غير مميزة الوظيفة ولا تعرف التخصص، ومن ثم ليس هناك سلطة حاكمة أو هيئة تشرف على شؤونها الاقتصادية.

والثاني: يشمل المجتمعات الكبيرة، المعقدة التركيب، التي يظهر فيها تقسيم العمل بصورة واضحة، إذ أنَّ هذا المجتمع الكثير السكان يقوم على أساس تضامن عضوي (( Salidarite Organique، بعكس المجتمعات الأولى التي تقوم على أساس التشابه في الوظائف أو التضامن الميكانيكي

أما عن النظريات التي تنادي بالحد من الزيادة السكانية؛ فهي قديمة أيضًا، إذ تتصل اتصالًا وثيقًا بفكرة الملائمة أو الموازنة بين الموارد الاقتصادية أو حاجات الإنسان وأعداده المتزايدة. فالبيئة مهما تنوعت محدودة الموارد، ولا يمكن أنْ تفي بجميع رغبات الإنسان الآخذة في الزيادة مع اضطراد ونمو المجتمعات، ومن ثَمَّ فعملية الملاءمة أو التوازن أمر ضروري للحياة.

[1] نظرية مالتس:

يعتبر روبرت مالتس من أئمة الاقتصاديين التقليديين، ومن أهم مؤلفاته بحث في مبادئ السكان ظهر سنة 1798م، وقد عَرَضَ فيه نظرية ذات طابع تشاؤمي، يقول:"إنَّ إشباع رغبات الإنسان وتنمية أوجه نشاطه الطبيعية، والعقلية، والروحية، لا يكون إلاَّ بالطعام أولًا وقبل كل شيء، وليس إنتاج الثروة إلاَّ وسيلة هذا الطعام الذي يقيم أوده، فيتمكَّن من أنْ ينشط ويعمل ويفكر، والإنسان هو وسيلة الإنتاج الرئيسة، وهو في النهاية هدف الإنتاج الرئيسي" ( [6] ) .

وأنَّ مؤدى هذه النظرية أنَّ نسبة الزيادة في السكان تفوق بمراحل الزيادة في الانتاج الغذائي.

يرجع ذلك إلى أنَّ السكان يتزايدون طبقًا لمتوالية هندسية أساسها

(2) ، (2، 4، 8، 16، 32، ..) ، بينما تتزايد المنتجات الزراعية طبقًا لمتوالية عددية أساسها (1) ، (1، 2، 3، 4، 5، ..) ، وأنَّ المدة التي تنقضي بين كل رقمين في كلتا الحالتين هي 25 سنة. ومعنى هذا أنَّ عدد السكان يزيد خلال قرن واحد إلى 16 ضعفًا، في حين أنَّ المواد الغذائية لا تزيد من نفس المدة إلاَّ خمسة أضعاف فقط. ولذلك فإنَّ اختلالًا لا بُدَّ وأنْ يحدث بين عدد السكان وكمية المنتجات الغذائية.

ويرى مالتس أنَّ هنالك بعض الموانع التي تعمل على تجنب وقوع الكارثة، وعلى إبقاء جملة السكان عند الحد الذي تسمح به الموارد التي تشبع الحاجات الأساسية للإنسان. وهذه الموانع تنقسم إلى نوعين: موانع سلبية، وموانع إيجابية.

فالموانع السلبية هي تلك التي يلجأ إليها الإنسان من تلقاء نفسه، نتيجة تبصره كي تحول دون وقوع الكارثة. وهي تطبق غالبًا في المجتمعات المتقدمة حيث يُقْبِل النَّاس طواعية على تأجيل الزواج إلى سن متأخرة، أو إلى الامتناع عنه، وكذلك تحديد النسل .

فإذا لم تَفِ هذه الموانع السلبية أو لم يُقْبِل الأفراد عليها؛ تدخلت العوامل الإيجابية لمنع تجاوز عدد السكان عن الحد الذي يمكن أنْ تكفيه المواد الغذائية. وهذه العوامل هي: سوء التغذية، والأوبئة، والحروب..إلخ).

هذا موجز عن أهم ما ورد بنظرية مالتس للسكان. أما الانتقادات التي وجهت إليها فتعتمد غالبيتها على أنَّ تنبؤاته لم تتحقَّق، فلم يتضاعف السكان دائمًا كل خمسة وعشرين عامًا، كما أنَّ الإنتاج الزراعي قد زاد في كثير من الدول زيادة فاقت بمراحل الزيادة في عدد السكان، ولم يحدث ذلك في البلاد الجديدة غير كثيفة السكان ـ كالولايات المتحدة ـ فحسب؛ بل في كثير من دول أوربا الغربية التي كانت تكتظ بالسكان وقت إعلانه النظرية.

إنَّ صحة النظرية أو عدمه يتوقف على الظروف السائدة في المكان أو الزمان، وأنَّ النظرة العامة لا تكفي لهدم النظرية أو لتأييدها، ويجب النظر إلى كل من شِقْيِّ النظرية على حده: تزايد السكان، وتزايد الإنتاج الزراعي. وذلك بعد تقسيم الدول إلى مجموعات، طبقًا لنوع الإنتاج السائد فيها، وطبقًا لمراحل تطورها.

ففيما يختص بتضاعف السكان مرةً كل خمسة وعشرين عامًا؛ فإنه وإنْ كان لا يتحقَّق في عدد من الدول، فإنَّ الغالبية العظمى من الدول النامية تتزايد طبقًا لهذا المعدل في الوقت الحاضر أو ربما بأكثر منه.

وفي هذا الصدد؛ فإنَّ التحليل الحديث لتطور نسب الزيادة في السكان في الدول المختلفة، يميز بين أربع مراحل من التطور ( [7] ) :

المرحلة الأولى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت