وفيها يرتفع معدل المواليد وكذلك معدل الوفيات، والنتيجة هي تزايد السكان ببطء ويبدو أن هذه المرحلة هي التي قصدها مالتس، إذ أن العوامل الإيجابية التي ذكرها تتدخل لترفع من معدل الوفيات وتنطبق هذه الحالة على الدول البدائية.
المرحلة الثانية:
وفيها يعمل انتشار الأساليب الصحية الحديثة على انخفاض معدل الوفيات، فتحدث زيادة كبيرة لعدد السكان.
وهنا يظهر شبح مالتس بصورة مخيفة، ويبدأ المفكرون في البحث عن مخرج، والحل الطبيعي لذلك هو إعادة التوازن بين السكان والإنتاج، إما عن طريق تحديد النَّسل، أو عن طريق الإسراع بزيادة الإنتاج، أو اتِّباع الطريقتين معًا. وتنطبق هذه الحالة على كثير من الدول النامية في الوقت الحاضر.
المرحلة الثالثة:
وهي مرحلة تتميز بانخفاض في معدل المواليد وانخفاض في معدل الوفيات.
وانخفاض معدل المواليد ينتج في هذه الحالة عن رغبة الأفراد أنفسهم في تقليل حجم الأسرة، حتى يتمتع الكل بمستوى معيشة أفضل، أي ينتج عن طريق العوامل السلبية التي ذكرها مالتس.
والمشاهَد أنه نتج عن تدخل هذه العوامل السلبية في البلاد الغربية في الوقت الحاضر آثارًا أكبر من تلك التي تخيَّلها مالتس، فلم تعمل هذه العوامل على حفظ التوازن بين عدد السكان وحجم المنتجات فحسب؛ بل أدت إلى ثبات عدد السكان أو تزايدهم بنسبة بسيطة. وفي الوقت نفسه زاد الإنتاج زيادة هائلة، وهذا يفسِّر المستوى المرتفع للمعيشة الذي ينعم به سكان أوربا الغربية في الوقت الحاضر.
المرحلة الرابعة:
يرى البعض أنها تلي المرحلة السابقة، التي ترتفع فيها نسبة المواليد وتظل نسبة الوفيات على انخفاضها، والنتيجة هي زيادة السكان بمعدل مرتفع. وتنطبق هذه الحالة على الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا يخشى من زيادة السكان في هذه الحالة، لأن البلاد تتمتع بمقدرة إنتاجية هائلة، تسمح بزيادة الإنتاج زيادة تفوق بمراحل، نسبة الزيادة في السكان.
هذا بالنسبة لما جاء في نظرية مالتس عن مضاعفة السكان كل خمسة وعشرين عامًا. أما فيما يختص بما ورد عن زيادة الموارد الغذائية مرة كل خمسة وعشرين عامًا؛ فقد تعرضت النظرية إلى نقد شديد من جانب كل المتشائمين والمتفائلين.
فقد تقدَّمت الأساليب الزراعية تقدُّمًا ملموسًا منذ ظهور نظرية مالتس، وثبت أنه من الممكن مضاعفة الإنتاج الزراعي في سنوات قليلة، نتيجة مقاومة الآفات، وإنتاج سلالات أكثر غلة، وانتقاء البذور، واستخدام الأسمدة، وغير ذلك من مظاهر التقدُّم العلمي في الزراعة.
ولا ينكر المتشائمون هذه الحقيقة، وإنما يرون أنَّ هذه الزيادة في الحاصلات الزراعية لا يمكن أنْ تستمر إلى ما لا نهاية، فالأرض الجيدة محدودة، وزراعتها الكثيفة تؤدي إلى تناقص درجة خصوبتها، كما أنَّ التوسع في الإنتاج الزراعي يتم دائمًا نتيجة زراعة أراضي أقل جودة، هذه نفسها محدودة المساحة، إذ لا يمكن تصور زيادة لا نهائية لمساحة الأرض المزروعة.
وتظهر هذه المشكلة حاليًا بصورة مفزعة في بعض البلدان النامية، ففي بلد كمصر يلاحظ أنَّ نصيب الفرد من المواد الغذائية المنتجة يتضاءل سنة بعد سنة، على الرغم من التقدُّم الملموس في الري، والزراعة، وإصلاح الأراضي. وسوف تؤدي المشاريع الحالية للسد العالي وزراعة أراضي جديدة إلى التخفيف من حدة المشكلة، ولكن آثار هذه المشاريع لن تكون سوى وقتيه، إذ من المتوقع أنْ يعود الحال في وقت قريب إلى ما هو عليه الآن، وربما إلى أسوأ منه إذا ما ظل شبح هذه الزيادة المروعة في السكان قائمًا.
والخلاصة، أنَّ عدم تحقيق تنبؤات مالتس في كثير من الدول لا يعني أنَّ نظريته غير صحيحة؛ بل يعني فقط أنها ليست نظرية عامة تطبق في كل زمان ومكان.
[2] نظرية الحجم الأمثل للسكان:
ترى هذه النظرية أنَّ لكل إقليم حجمًا مثاليًا للسكان، يتناسب مع مقدرته الإنتاجية، وكل زيادة للسكان في الإقليم الذي ينقص عدد سكانه عن الحجم الأمثل تؤدي إلى زيادة الإنتاج بنسبة تزيد عن نسبة هذه الزيادة. فإذا ما تعدَّى عدد السكان هذا الحجم؛ فإنَّ أية زيادة سكانية يترتب عليها انخفاض كمية المنتجات التي تخص الفرد في المتوسط.
ويتضح من هذا أنَّ فكرة الحجم الأمثل للسكان تعتمد على نظريتيْ: الإنتاج، والغلة المتناقصة. فهي تفترض أنَّ مقدار العمل المتوفر في أي إقليم يتوقف على تعداد سكانه، أو أنَّ مقدار العمل اللازم للإنتاج يتوقف على مدى توفر عوامل الإنتاج الأخرى من رأس المال والموارد الطبيعية. فإذا كان العمل نادرًا بالنسبة لعاملي الإنتاج الآخرين؛ فإنَّ أي زيادة في عرضه تؤدي إلى تزايد الغلة، وتستمر هذه الزيادة حتى تصل إلى نقطة يجب عندها التوقف عن استخدام أموال جديدة، وإلاَّ فإنَّ النتيجة ستكون تناقصًا في الغلة.