أ. د. ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
إن كتاب الله فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولاتنفد عبره، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا:"إنا سمعنا قرآنا عجبًا، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا"، قال الله _تعالى_:"وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم"، كتاب ربنا من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن خاصم به فلج، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.
نورٌ على مَرِّ الزمان تألقا ... ... وأضاءَ للدنيا طريقًا مُشرقا
وهدى من الرحمن يهدينا به ... ... للصالحات وللمكارم والتقى
هذا كتاب الله زاد قلوبنا ... ... وشفاؤنا من كل داء أرهقا
هذا هو القرآن مصدر عزنا ... ... فبه تبوأنا المكان الأسمقا
ياحافظ القرآن لست بحافظ! ... ... حتى تكون لما حفظت مطبقًا
ماذا يفيدك أن تسمى حافظًا ... ... وكتاب ربك في الفؤاد تمزقا
يا أُمَّتي القرآن حبلُ نجاتنا ... ... فتمَسَّكِي بِعُرَاه كي لانغرقا
ولتجمعي حول الكتاب شتاتنا ... ... حتى نزيل تناحرًا و تفرقا
ولتجعليه محكما في أمرنا ... ... وثقي بوعد الله أن يتحققا
ولعل سبيل الخلوص إلى تلك المعاني وعظم تأثر المرء بها منوط بتدبر القرآن، ولهذا قال الله _تعالى_:"أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا" [النساء:82] ،"أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [محمد:24] ، فدل هذا على أن ترك التدبر حال أقوام عن الانتفاع به على الرغم من خصائصه التي أودعها الله فيه.
وهنا يعرض السؤال ماهو التدبر الذي تربط به كل تلك المعاني العظام، أقول هذا لأني وجدت كثيرًا من الناس يتحدث عن تدبر القرآن وعن أهميته، مع أنه لم يحرر تلك المعاني، ويترتب على هذا معرفة أسباب التدبر وطرقه.
وفي هذه العجالة أحببت أن أبين الفرق بين مفهوم التأمل والتعقل والتدبر؟ فالذي يظهر أن هناك فروق بين هذه الثلاثة.
الفرق بين التأمل والتدبر والتعقل ومعرفة المعنى:
فإن تأمل القرآن هو كما قال ابن القيم:"تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله" (1) . فهو إذن يشتمل على ثلاثة أمور:
1-رؤية معانيه ومراميه بجلاء ومعرفتها بوضوح.
2-جمع الفكر على تدبره.
3-جمع الفكر على تعقله.
فابن القيم جعل مطالعة المعاني أمر، والتفكر أمر ثان، والتعقل شيء ثالث، وهي معان متقاربة إذا اجتمعت حصل التأمل.
أما التدبر فقد قيل في معناه:"هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة (2) ".
ويقول بعضهم في تعريف التدبر:"وهو عند أهل العلم بكتاب الله _جل وعلا_: العمل على تحقيق وتحديق النظر في ما يبلغه المعنى القرآني المَدِيدُ من درجات الهداية إلى الصراط المستقيم . وهذا نظر لا يتناهَى ، فإن المعنى القرآني له أصل يبدأ منه ولكن منتهاه لا يكاد يبلغه أحدٌ من العباد، فصاحب القرآن الكريم في سفر دائم طلبًا للمزيد من المعنى القرآني ."
وكلّ تَعَقُلٍ وتَفَكُّرٍ وتَفَقُّهٍ وتَفَهُّمٍ للبيان القرآني لا يحقق العلم بدرجة من درجات الهداية إلى الصراط المستقيم لا يكون من تدبر القرآن الكريم في شيْءٍ"."
والذي يظهر هو أن التدبر معنى أخص من المعرفة التفصيلة لمعاني الآيات، فالتدبر يقتضي النظر إلى ما تصير إليه عاقبة الكلام في الجملة، وهذا يدفع للعمل بما تم تدبره لاستحضار العاقبة، وفي هذا تعلق واضح بأصل المعنى اللغوي للتدبر الدال على نظر في ما يؤول إليه آخر أمره، ولهذا أثر عن الحسن قوله:"إن هذا القران قرأه عبيد وصبيان لم يأخذوه من أوله، ولا علم لهم بتأويله، إن أحق الناس بهذا القران من رئي في عمله قال الله _تبارك وتعالى_:"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب"وإنما تدبر آياته إتباعه بعمله، يقول أحدهم لصاحبه: تعال أقارئك والله ما كانت القراء تفعل هذا والله ما هم بالقراء ولا الورعة لا كثر الله في الناس أمثالهم لا كثر الله في الناس أمثالهم (3) ". فجعل تدبره إتباعه بعمل لأنه الأمر الذي تدعو إليه عاقبته عند من تأمله.
أما التعقل ففيه معنى يقضي بإدراك المعاني المجملة التي تعقل الإنسان وتمنعه من مخالفته.